ومنه فعل عمر بن عبد العزيز حينما تولى الخلافة وأخذ بمنهج التدرج في إنفاذ الحق وتغيير المنكر الذي انتشر في الدولة، خاصة الطبقة الحاكمة. وقد قال له ولده عبد الملك ذات يوم: ما يمنعك أن تمضي الذي تريد؟ فوالذي نفسي بيده ما أبالي لو غلت بك وبي القدور، قال وحقّ هذا منك؟ قال: نعم والله، قال عمر: الحمد لله الذي جعل من ذريتي من يعينني على أمر ديني. إني لو باهت الناس بالذي تقول لم آمن أن ينكروها، فإذا أنكروها لم أجد بدًا من السيف، ولا خير في خير لا يجيء إلا بالسيف. يا بني، إني أروض الناس رياضة الصعبة، فإن بطَّأ بي عُمُر أرجو أن ينفذ الله مشيئتي، وإن تعدو منيّتي فقد علم الله الذي أريده". [1] "
الاجتهاد هو أن يبذل المجتهد وسعه في البحث عن الحكم الشرعي الأكثر مناسبة للواقعة محل الاجتهاد، بما يحقق المقاصد العامة والجزئية من شرع الأحكام. وبناء عليه فإن"أكثر المجتهدين إصابة، وأكثر صواب المجتهد الواحد في اجتهاداته يكونان على مقياس غوصه في تطلُّب مقاصد الشريعة". [2] والواقع أن ضرورة مراعاة المقاصد الشرعية في الفتوى لا تختلف بين العصور الماضية والعصر الحاضر، فالاجتهاد يكون صائبًا أو قريبًا من الصواب عندما يستوفي صاحبه شروط الاجتهاد، وعلى رأسها فقه المقاصد والإحاطة بها، ويكون اجتهادًا قاصرًا إذا قصّر صاحبه في شروط الاجتهاد السليم التي يتقدمها فقه المقاصد الشرعية ومراعاة ضوابط التنزيل التي سبق الحديث عنها.
وربما تميز الاجتهاد والفتوى في هذا العصر بكون غالبية الوقائع المستجدة من القضايا التي يكون الاجتهاد فيها بناء على الموازنة بين المصالح والمفاسد، فضلًا عن أن النوازل العامة ذات الصلة بالنواحي الاجتماعية والاقتصادية والسياسية قضايا معقَّدة ومتشابكة مع غيرها، وهي الأمور التي تتطلب التدقيق في فهم تلك القضايا في جميع أبعادها وتداعياتها ومآلاتها، والاستعانة بأهل التخصص في ذلك، ثم بعد ذلك تقييمها بنظرة شمولية متوازنة قائمة على فِقْهٍ ثاقب في المقاصد الشرعية عامِّها وخاصها وجزئيِّها، للوصول إلى الحكم الذي يكون أقرب إلى تحقيق المقاصد الشرعية.
وأيّ فتوى تُبْنَى على نظرة جزئية متعجِّلة قائمة على سوء فهم أو سوء تقدير للمآلات تنزِّل الأحكام على غير مناطاتها الحقيقية سوف تؤدي إلى إهدار المقاصد الشرعية، والإضرار بالأمة في مجملها أو في جماعاتها. وغني عن البيان أننا عندما نتحدث عن مراعاة
(1) ابن الجوزي، سيرة عمر بن عبد العزيز، ص 262 - 263.
(2) ابن عاشور، مقاصد الشريعة، ص 197.