تنزيل الحكم الشرعي على واقعة أو شخص ما يقتضي النظر فيما يؤول إليه ذلك التنزيل. وأساس ذلك أن الأحكام الشرعية إنما جاءت لتحقيق صلاح العباد بتحقيق المصالح ودرء المفاسد على المستويين التجريدي المطلق، والتطبيقي المعيَّن. ومن المسلَّم به لدى أهل الإسلام أن كل حكم جاء به الشرع مُحقِّق لمصلحة أو دافع لمفسدة على المستوى التجريدي المطلق. ولكن عند تلبُّس حُكْم ما بالواقع المشخَّص، بما يعتريه من توابع وإضافات، قد يتخلَّف أحيانا تحقيق المصلحة أو دفع المفسدة على الكمال أو على الغالب، بل قد يؤدي الأمر إلى عكس المقصد الشرعي من ذلك الحكم. وإذا صار الأمر إلى ذلك وجب على المجتهد أن يعيد النظر في تنزيل ذلك الحكم على تلك الواقعة المشخصَّة، ليصل إلى حكم آخر هو أليق بتلك الحال، وأكثر تحقيقا للمقصد الشرعي. وهذا هو المعبَّر عنه باعتبار المآلات.
ومما يشهد لاعتبار المآل في القرآن والسنة، [1] نهي القرآن الكريم عن سب آلهة المشركين (الأنعام: 108) ، مع أن هذا الفعل مشروع في أصله، لما يؤول إليه من سبّ الذات الإلهية من قبل أهل الشرك انتقاما لآلهتهم. وامتناع الرسول - صلى الله عليه وسلم - عن قتل المنافقين، لما قد يؤول إليه ذلك من تشهير به - صلى الله عليه وسلم - من قبل أعدائه، بأنه يقتل أصحابه، وهو الأمر الذي يؤدي إلى تنفير الناس من الدخول في الإسلام. [2] وامتناع الرسول - صلى الله عليه وسلم - عن إعادة بناء البيت على قواعد إبراهيم، مخافة أن يفتتن ضعاف الإيمان حديثو العهد بالإسلام فيظنوا أن الرسول اعتدى على حرمة البيت الحرام، أو أن يستخدم أعداء الإسلام ذلك لتنفير من لم يُسْلِم بعد من قبائل العرب، استغلالا لما كان في نفوسهم من تعظيم للبيت الحرام. [3]
(1) انظر تفصيلًا وافيًا عن أدلة اعتبار مآلات الأفعال في القرآن الكريم والسنة النبوية وآثار الصحابة في: عبد الرحمن بن معمر السنوسي: اعتبار المآلات ومراعاة نتائج التصرفات (الرياض: دار ابن الجوزي، ط 1، 1424 هـ) ص 124 وما بعدها.
(2) عن جابر بن عبد الله قال: كنا في غزاة، فكسع رجل من المهاجرين رجلا من الأنصار، فقال الأنصاري: يا للأنصار، وقال المهاجري: يا للمهاجرين، فسمعها الله رسوله - صلى الله عليه وسلم -، قال: ما هذا؟ فقالوا: كسع رجل من المهاجرين رجلا من الأنصار، فقال الأنصاري: يا للأنصار، وقال المهاجري: يا للمهاجرين، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم:"دعوها فإنها منتنة". قال جابر: وكانت الأنصار حين قدم النبي - صلى الله عليه وسلم - أكثر، ثم كثر المهاجرون بعد. فقال عبد الله بن أبي: أو قد فعلوا، والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل، فقال عمر بن الخطاب - رضي الله عنه: دعني يا رسول الله أضرب عنق هذا المنافق، قال النبي - صلى الله عليه وسلم:"دعه، لا يتحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه". أخرجه البخاري، ومسلم.
(3) عن عائشة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال:"ألم تري أن قومك بنوا الكعبة واقتصروا عن قواعد إبراهيم. فقلت: يا رسول الله، ألا تردها على قواعد إبراهيم؟ قال: لولا حدثان قومك بالكفر". فقال عبد الله بن عمر: لئن كانت عائشة سمعت هذا من رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ما أرى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ترك استلام الركنين اللذين يليان الحجر إلا أن البيت لم يتمم على قواعد إبراهيم. رواه البخاري ومسلم.