واعتبار مآلات الأفعال ليس معناه تعطيل الحكم الشرعي في واقعة من الوقائع باجتهاد المجتهد بدعوى أن الحكم لا يحقق المقصد منه، ولكنه في الواقع انتقال بالواقعة من حكم إلى حكم آخر، إما بأن تكون محلّ ترخُّص أو استثناء، أو تكون ألصق بقاعدة أخرى وحكم آخر، ليصل المجتهد إلى إلحاقها بأقرب الأصول شبهًا بها. ومن مظاهر اعتبار مآلات الأفعال ما يأتي:
1.سدّ ذرائع الفساد: والمراد به إبطال الأعمال المشروعة في ذاتها إذا كان القيام بها يؤول إلى فسادٍ مُعتَبَر يزيد عن المصلحة التي شرعت من أجلها تلك الأفعال. [1] وأساسه أن من المقاصد العظمى للشريعة تحقيق الصلاح ودفع الفساد، ولذلك جاءت الأحكام الشرعية في أساسها محققة لذلك، فإذا وجدت ظروف تصيِّر الفعل المشروع إلى إيقاع مفسدة يعتد بمثلها شرعا، وجب منع ذلك الفعل المشروع في تلك الظروف، فإذا زالت تلك الظروف وزالت معها المفسدة، عاد الفعل إلى مشروعيته.
ومع أن موضوع سدّ ذرائع الفساد محل اختلاف بين العلماء والمذاهب، إلا أن أصله ثابت في الشريعة لا يمكن إنكاره ولا إهماله عند تنزيل الأحكام الشرعية، وإنما الخلاف في إعماله في بعض الفروع عندما تختلف وجهات النظر في الترجيح بين المصلحة الناتجة عن تشريع الفعل، والمفسدة الناتجة عن إيقاعه.
2.التّحيُّل: والمراد به التّحيُّل على الأحكام الشرعية المُفْضي إلى إيجاد الصورة المشروعة للفعل مع تغييب المقصد من شرعه، وقد ضبطه ابن عاشور بكونه:"يفيد معنى إبراز عمل ممنوع شرعا في صورة عمل جائز، أو إبراز عمل غير معتدٍّ به شرعا في صورة عمل معتدٍّ به، لقصد التفصِّي من مؤاخذته". [2] وأساس هذا المبدأ أن الشارع قاصد من تشريعاته القيام بها على وجهها الصحيح لتثمر مقاصدها، فإذا تحيَّل الشخص على إسقاطها إما بتغيير صورتها، أو بالقصد إلى الإتيان بما يبطلها بغير وجه حق، أدى ذلك إلى إهدار الحقوق، والهجوم على المحرمات باصطناع وسائل مشروعة في ظاهرها. وهذا فيه ما فيه من المفاسد المخالفة للمقاصد الشرعية.
(1) انظر تفصيلا جيدا لموضوع سد الذرائع في ابن عاشور، مقاصد الشريعة الإسلامية، ص 365 - 370.
(2) ابن عاشور، مقاصد الشريعة، ص 353. وقد فصل ابن عاشور في موضوع الحيل تفصيلًا دقيقًا فلينظر هناك.