الصفحة 40 من 47

ولا شك أن بعض جزئيات هذا الأصل محلّ خلاف بين الفقهاء والمذاهب، ولا ضير في ذلك؛ لأنه خلاف ناتج عن تقدير المصالح والمفاسد، والموازنة بينها، ولكنه أصل يجب الأخذ به في الجملة، وإلاَّ آل الأمر إلى التلاعب بالأحكام الشرعية وإبطال مقاصدها.

3.ملاحظة مواطن التّرخُّص: من الثابت أن الشارع قاصد من شرع الأحكام إلى عموم الالتزام بها من قبل المكلفين، ولكنه في الوقت نفسه صرح بأنه غير قاصد إلى إعنات الناس والإضرار بهم"وما جعل عليكم في الدين من حرج" (الحج: 78) ،"ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج" (المائدة: 6) . [1] والجمع بين هذين المقصدين يتطلب من المجتهد المفتي عند تنزيل الأحكام على الوقائع والتصرفات النظر في مآل تنزيلها، فإذا كان ذلك مؤديا إلى ضرر وحرج يُعتدُّ بمثلهما شرعا، وجب النظر في إمكان دخول الواقعة أو التصرف في محلّ الترخُّص. وليس في الترخُّص تعطيل للحكم الشرعي، بل هو انتقال بالواقعة من دليل إلى دليل آخر، مراعاة لمقاصد الشارع ولأصل اعتبار مآلات الأفعال المعتدّ به شرعا.

وقد أبرز ابن عاشور عند حديثه عن الرخصة في كتابه مقاصد الشريعة الإسلامية عنصر الرخصة العامة بقسميها المطرد والمؤقت. ومثَّل للقسم الأول بالسلم والمزارعة والمساقاة، وللثاني بما أفتى به علماء المالكية من جواز الكراء المؤبد في أرض الوقف حين زهد الناس في كرائها لفترات زمنية قصيرة وبفتوى علماء بخارى من الحنفية بجواز بيع الوفاء في الكروم لحاجة غارسيها إلى النفقات عليها قبل إثمارها. [2] ودعا الفقهاء إلى مراعاة الرخصة العامة المؤقتة مثل مراعاة الرخصة الخاصة والعامة المطَّردة.

وما نبَّه عليه ابن عاشور يجب الاحتفاء به من قبل فقهاء العصر، غير أنه عند العمل بالرخصة العامة ينبغي الأخذ بعين الاعتبار أن لا يتحوّل ذلك إلى وسيلة لإضفاء المشروعية على المعاملات والتصرفات الفاسدة، تكريسا للظلم والانحراف. فمن أهم المقاصد التي جاءت الشريعة من أجلها إبطال العوائد الفاسدة والتصرفات الظالمة، واستبدالها بما فيه الصلاح والعدل.

4.ملاحظة مواضع الاستثناء: حيث إن الشارع قد يخص الأحكام العامة (سواء جاءت تلك الأحكام في نصوص أو قواعد كلية) باستثناء بعض الصور والحالات، نظرا لعدم

(1) انظر في موضوع رفع الحرج ما كتبه ابن عاشور في كتابه مقاصد الشريعة تحت مباحث:"انبناء الشريعة على الفطرة"ص 259 - 267، و"السماحة أول أوصاف الشريعة وأكبر مقاصدها"ص 268 - 272، و"ليست الشريعة بنكاية"ص 337 - 339.

(2) ابن عاشور، مقاصد الشريعة، ص 380 - 383.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت