وأيًّا ما كان الأمر فقد كان من نتائج الغبار الذي أثارته تلك المناظرات والإلزامات أن جانب المنخرطون فيها نهج القرآن الصريح وطريق السنة اللاحب القائمين على التعليل وربط الأحكام بأسباب وأوصاف وعلل تدل بصورة أو بأخرى من صور الدلالة على ما تنطوي عليه تلك الأحكام من حِكم وما يناسبها من مقاصد تدور كلها حول ما فيه صلاح الخلق جلبًا للمصلحة أو دفعًا للمفسدة أو كلاهما في آن واحد. وليس ذلك الربط قائمًا على مجرد الاعتباط والتحكم بحيث يقال إن الأعيان أو الأفعال التي تعلق بها الأمر أو النهي أو استندت إليها الإباحة خلوٌ من صفات حسن وصلاح أو أحوال قبح وفساد إما في ذاتها أو بسبب حيثياتها ومقارناتها، وإنها إنما تصير حسنة أو قبيحة بسبب تعلق خطاب الشارع بها، فذلك أمر لا تخفى مجافاته لما قام عليه أسلوب القرآن الكريم ومسلك الرسول عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم من اعتداد بالعقل الذي أودعه الله في الإنسان ومراعاة للفطرة التي فطر الناسَ عليها، وما جرى به نهجهما من تعليل لما سيق فيهما من أوامر ونواه، بل وما جاء فيهما من وصف لأحداث ووقائع وظواهر إنسانية وتاريخية وكونية. [1]
وكما قرر الإمام ابن تيمية بحق، فإن مَنْ ينكر أن للأفعال صفاتٍ ذاتيةً مدعيًا أن الفعل إنما يحسن ويقبح لمجرد تعلق الأمر الشرعي به، وأن لا أساسَ لتعلق أحكام الشريعة سوى خطاب الشارع، فإنه في الحقيقة ينكر ما قامت عليه الشريعةُ من مراعاة للمصالح والمفاسد واعتبار للمعروف والمنكر مما يدركه الناسُ بعقولهم التي ركبها الله فيهم، ومن ثم فهو منكِرٌ ليس فقط للمناسبات بين الأحكام وعللها، بل لأساس الفهم الصحيح للشريعة وإدراك ما قامت عليه من حكمة وما اتسمت به من محاسن وما وضعت لأجله من مقاصد. [2]
وإذا كان الإسلام دينَ الفطرة كما يقرر القرآن نفسه، فإن ذلك لا يعني فقط أن الإنسان قد خُلق على هيئة معينة بحيث يدرك أن له خالقًا أوجده فيسوقه ذلك الإدراك إلى التوجه نحوه والسعي لعبادته (كما قرر ذلك عدد من المفسرين كابن عطية والزمخشري والرازي) ، ويكون التوحيد بذلك أمرًا مركوزًا في فطرة الإنسان وطبيعته، وإنما يعني أيضًا"أن الأصول التي جاء بها الإسلام هي من الفطرة، ثم تتبعها أصول وفروع هي من"
(1) انظر دراسة موسعة وشاملة في هذا الصدد في الجنابي، يونس عبد مرزوك: أسلوب التعليل وطرائقه في القرآن الكريم (بيروت: دار المدار الإسلامي، ط 1، 2004) .
(2) ابن تيمية، شيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم: مجموع الفتاوى، جمع وترتيب عبد الرحمن بن قاسم النجدي (المملكة العربية السعودية: الإدارة العامة لشؤون الحرمين، بدون تاريخ) ج 11، ص 154 (بتصرف) . وانظر كذلك له القياس في الشرع الإسلامي (بيروت: دار الآفاق الجديدة، 1402/ 1982) ، ص 64.