الصفحة 4 من 47

مصنِّف الكتاب"كما قال السمرقندي، [1] فإن ذلك التأثير قد نجم عنه غيرُ قليل من التشويش والبلبلة في صياغة المفاهيم المرتبطة بمبحث التعليل وما يضاهيه اضطرابًا في وضع المصطلحات المعبرة عنها."

ولم يكن مظهر ذلك التشويش والاضطراب قاصرًا على التخالف بين المدارس الكلامية أو التباين بين أصحاب المدرسة الكلامية الواحدة، وإنما نجده كذلك جليًّا على مستوى ذات العالم الفرد من علماء المدرسة الكلامية ذاتها، وخاصة من الأشاعرة. حتى إننا نجد بعضهم ينفي في كتبه في علم الكلام ما يقرره في مؤلفاته في علم أصول الفقه! وليس من سبب لذلك إلا المماحكات المذهبية والإلزامات المتبادلة وطرد الأصول في المناظرة، كما هو الأمر في خصوص الأشاعرة والمعتزلة، كما بين الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور عليه رحمة الله. ذلك أن"الأشاعرة لما أنكروا وجوبَ فعل الصلاح والأصلح وأورد عليهم المعتزلة أو قدروا هم في أنفسهم أن يُورَدَ عليهم أن الله تعالى لا يفعل شيئًا إلا لغرض وحكمة ولا تكون الأغراض إلا المصالح، فالتزموا أن أفعال الله تعالى لا تُناطُ بالأغراض ولا يُعبَّر عنها بالعلل"، وهم قد التزموا ذلك على الرغم من تسليمهم بأن"أفعال الله تعالى لا تخلو عن الثمرة والحكمة"! وإذا كان الأمر كذلك فإنا لنتساءل عن"الحرج الذي نظروا إليه حين منعوا تعليل أفعال الله وأغراضها". [2]

(1) السمرقندي، علاء الدين أبو بكر محمد بن أحمد: ميزان الأصول في نتائج العقول، تحقيق محمد زكي عبد البر (القاهرة: مكتبة دار االتراث، 1418/ 1997) ، ص 2.

(2) ابن عاشور، محمد الطاهر: تفسير التحرير والتنوير (تونس: دار سحنون للنشر والتوزيع، 1997) ، ج 1، ص 380 - 381. هذا وقد ناقش ابن عاشور الاعتراضات التي أوردها الإمام الرازي على نهج الأشاعرة ضد القول بتعليل أفعال الله تعالى (بما في ذلك أحكام الشريعة) ، مبينًا عدم انتهاضها على أصل راسخ، ومبينًا كذلك أن القول بالتعليل لا يخدش في تنزيه الله تعالى ولا في كماله سبحانه. هذا ومن المفارقات العجيبة التي نبه عليها بعض الكتاب أن بعض المدارس التي آمنت في مجال علم الكلام بمبدأ الحكمة والغائية وأكدت قدرة العقل على إدراك مظاهر الحكمة ووجوه المصلحة في الفعل الإلهي، نفت ذلك بخصوص الأحكام الشرعية فلم يظهر في فقهها التنظير للمقاصد، بينما بعض المدارس التي نفت التعليل والغرض عن أفعال الله تعالى، قالت بذلك في شأن أحكام الشريعة بما مهد لها السبيل للقول بالمقاصد. (انظر محمد، يحيى:"نظرية المقاصد والواقع"، مجلة قضايا إسلامية معاصرة، العدد 8، 1420/ 1999، ص 137 - 141) . ويمكن أن نضيف إلى هذه المفارقة مفارقة أخرى، وهي أن بعض المذاهب الفقهية التي توسعت في اعتبار المصلحة وعولت في سبيل ذلك على جملة من القواعد والأصول، كالاستحسان (الحنفية والمالكية) والمصلحة المرسلة واعتبار الذرائع (المالكية) ، لم ينشأ عندها القول بالمقاصد تنظيرًا وتأصيلًا، في حين أن من ردّ تلك القواعد والأصول في تنظيراتهم الأصولية، وهم الشافعية، هم الذين كانت لهم الريادة في التنظير للمقاصد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت