الجهود العلمية لطائفة من العلماء النظار المحققين خلال مدة غير يسيرة من الزمن. وقد كانت أنظار الفقهاء ومناظرات الأصوليين في مسألة التعليل وما ارتبط بها من تأسيس لمشروعية القياس هي السياق الذي تبلَّرت فيه مقولةُ المقاصد تعبيرًا عن غائية الأحكام الشرعية، كما كان مفهوم المصلحة المحور أو قطب الرحى الذي دارت عليه تلك الأنظار والمناظرات.
وإذا كان لمقولة مقاصدِ الشريعة بهذا المقام، اتصالًا قويًّا بمسألة التعليل وارتباطًا متينًا بموضوع المصلحة، بل انبثاقًا منهما، فحريٌّ أن يكون لها من الاعتبار في الاجتهاد استنباطًا للأحكام من أدلتها وتطبيقًا لها في الواقع ما يناسب ذلكم المقام. ولقد تفاوتت تقريراتُ العلماء في اعتبار مقاصد الشريعة في الاجتهاد وتباينت أقوالُهم في ضبط مدى ذلك الاعتبار وصوره، وإنما يرجع اختلافُهم هذا إلى نظرتهم إلى مكانة المقاصد الشرعية من علم أصول الفقه وعلاقتها بمباحثه ومسائله المختلفة. وسيسعى هذا البحث إلى تناول الموضوع من هذه الزاوية عملًا على تجلية وظيفة المقاصد من حيث تفعيل مسالك الاجتهاد والفتوى وتوسيع مدارك المجتهد والمفتي في التعامل مع الأقضية والنوازل التي تطرأ في أبعادها المختلفة على مستوى الفرد والمجتمع.
ولما كان موضوع المصلحة هو المحور الذي دارت حوله الأنظار في قضية التعليل مثلما هو قوام مقولة المقاصد، فقد رأى الباحثان ضرورة التوسع في مناقشته واستقصاء القول فيه، مع الحرص على عدم التوغل في مسالك ما ارتبط به وتفرع عن الجدل حوله من مصطلحات إلا في حدود ما دعت الحاجة إليه لتوضيح الأطروحة التي سعى البحث إلى بيانها. وبعبارة أخرى، إن ما حاول الكاتبان تفصيل القول فيه في المبحث الأول من هذه الدراسة إنما هو تأصيل وتأسيس لما جاء في المباحث التالية له.
تعليل الأحكام والبحث عن معقولية التشريع ومقاصده
ليس من غرض هذا المبحث استقصاءُ كلام العلماء في مسألة التعليل، كما ليس من غايته حصرُ تعريفاتهم للعلة ولا سرد ما قرروه لها من شروط وما ضبطوه بشأنها من قوداح، فذلك أمر قد تكفلت بتفصيل القول فيه المؤلفات الأصولية قديمًا وحديثًا بما لا مزيد عليه، إلا أن يكون على سبيل إعادة التركيب نظمًا لما وُضع لها من مصطلحات وما صيغ بشأنها من مفاهيم في نسق نظري متسق البناء متواشج العناصر. وإذا كان علم أصول الفقه - كما هو معلوم - قد تأثر بالمقولات الكلامية للمذهب العقدي الذي ينتمي إليه المؤلفون فيه، بحيث"كان من الضرورة أن يقع التصنيف في هذا الباب على اعتقاد"