وإذا كان مما احتج به الأصوليون قديمًا لحجية القياس والحاجة إليه أن النصوص الشرعية لا تحيط بأحكام جميع الحوادث لأنها متناهية والحوادث غير متناهية، [1] فإن ابن عاشور ينبهنا إلى ناحية أخرى تتأيد من خلالها مسألة التعليل بوصفها الأساس الذي بدونه لا يقوم القياس أصلا. وقد جاء ذلك في سياق بحثة في مقصد الشريعة من تجنب التفريع في عهد التشريع حيث قال:"قد تتبعت تفريع الشريعة في زمن الرسول - صلى الله عليه وسلم - فوجدت معظمه في أحكام العبادات، حتى إنك لتجد أبواب العبادات في مصنفات السنة هي الجزء الأعظم من التصنيف، بخلاف أبواب المعاملات، وذلك لأن العبادات مبنية على مقاصد قارة فلا حرج في دوامها ولزومها للأمم والعصور إلا في أحوال نادرة تدخل تحت حكم الرخصة. فأما المعاملات فبحاجة إلى اختلاف تفاريعها باختلاف الأحوال والعصور، فالحمل فيها على حكم لا يتغير حرجٌ عظيم على كثير من طبقات الأمة. ولذلك كان دخول القياس في العبادات قليلًا نادرًا، وكان معظمه داخلًا في المعاملات. ولذلك نجد أحكام المعاملات في القرآن غالبًا مسوقًا بصفة كلية." [2]
ودون الاسترسال في سرد مثل هذه التقريرات، إذ يكفي ما سبق تأييدًا وتأكيدًا لما قصدنا الاحتجاج له، فإنه من المناسب هنا أن نقف عند بعض الجوانب المفهومية والمنهجية المتصلة بالعلة في الدرس الأصولي نظرًا لأهميتها الخاصة لبحثنا هذا، كونها السياق الذي برز فيه التنظير لمقاصد الشريعة واتضحت من خلاله أبعادها، وتكامل في إطاره مفهوم المصلحة وتمايزت أقسامها وأنواعها. شمل درس الأصوليين في العلة مسائل عدة، فتناولوها من حبث ما به تحققها، ومن حيث تعريفها وأقسامها، كما تناولوها من حيث شروطها ومسالكها، ومن حيث نواقضها وقوادحها، كما تجادلوا فيما هو المعلَّل أهو العين التي تعلق بها الحكم أم الحكم نفسه، إلخ. [3] وقد تنوعت الألفاظُ التي استخدموها في التعبير عنها تبعًا لاختلاف الزاوية التي نُظِرَ منها إلى ما يُعدُّ علة، وتبعًا كذلك للاعتبارات الكلامية التي وجهت تعريفاتِ العلماء لها. ومن المسائل التي نريد أن نصوب عليها النظر هنا مسألتان: الأولى مسألة العلاقة بين مصطلحي العلة والحكمة والثانية مسألة الوصف المناسب والمناسبة بين الحكم وعلته. وقد حصرنا النظر في هاتين المسألتين؛ إذ إن مقولة
(1) الزركشي، بدر الدين محمد بن بهادر بن عبد الله: البحر المحيط في أصول الفقه، تحقيق محمد محمد تامر (بيروت: دار الكتب العلمية، 1421/ 2000) ، ج 4، ص 23.
(2) ابن عاشور: مقاصد الشريعة الإسلامية، ص 403 - 404.
(3) راجع الدراسة الرائدة الشاملة والمفصلة لكل هذه الجوانب في السعدي، عبد الحكيم غبد الرحمن: مباحث العلة عند الأصوليين (بيروت: دار البشائر الإسلامية، ط 2، 1421/ 2000) .