يصدق على السنة النبوية على صاحبها الصلاة والسلام. [1] ولنا أن نتمثل لهذا الأصل بما جاء في شأن الخمر والميسر في قوله سبحانه: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا} (البقرة: 219) ، وقوله عز وجل: {إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاء فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ اللّهِ وَعَنِ الصَّلاَةِ فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُونَ} (المائدة: 91) . ففي الآية الأولى مقابلةٌ بين الإثم الذي يُوقع فيه تعاطي الخمر والميسر والمنافع التي تتأتى منه، بما يفيد تقديرًا واقعيًّا لهما لا ينكر ما فيهما من منافع كاللذة والفرح وهضم الطعام وتشجيع الجبان وتسخية البخيل والتجارة وربح للمال، إلخ. ولكن تلك المنافع مرجوحة بمفاسد أكبر أكدت الآيةُ الأولى رجحانَها وتولت الآيةُ الثانية بيانَها وتلخيصها في أصلين كليين جامعين هما فسادُ العلاقات الشخصية والاجتماعية بين الناس، وتنكبُهم سواء السبيل في الصلة مع خالقهم ومولاهم. وفي الآيتين تنبيهٌ وتوجيه للعقول إلى استجلاء تفاصيل تلك المفاسد بالنظر العلمي المسدَّد والبحث المنهجي المؤيد. [2]
وتأصيلًا لما نحاول الاستدلال عليه في هذا المبحث قال الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور كلامًا ناصعًا في سياق تفسيره للآية الأولى من المناسب جلبه هنا. قال:"فإن قلت: ما الوجه في ذكر منافع الخمر والميسر مع أن سياق التحريم والتمهيد إليه يقتضي تناسي المنافع؟ قلت: إن كانت الآية نازلة لتحريم الخمر والميسر فالفائدة في ذكر المنافع هي بيان حكمة التشريع ليعتاد المسلمون مراعاة علل الأشياء؛ لأن الله جعل هذا الدين دينًا دائمًا وأودعه أمة أراد أن يكون منها مشرعون لمختلِف ومتجدِّدِ الحوادث، فلذلك أشار لعلل الأحكام في غير موضع كقوله تعالى: {أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا} [الحجرات: 12] ونحو ذلك، وتخصيص التنصيص على العلل ببعض الأحكام في بعض الآيات إنما هو في مواضع خفاء العلل، فإن الخمر قد اشتهر بينهم نفعُها، والميسرَ قد اتخذوه ذريعة لنفع الفقراء فوجب بيانُ ما فيهما من المفاسد إنباءً بحكمة التحريم. وفائدة أخرى وهي تأنيس المكلَّفين عند فطامهم عن أكبر لذائذهم تذكيرًا لهم بأن ربهم لا يريد إلا صلاحَهم دون نكايتهم." [3]
(1) انظر للمزيد من التفصيل في خصوص ربط القرآن والسنة الأحكام بما يترتب على الفعل من مصلحة أو مفسدة شلبي، محمد مصطفى: تعليل الأحكام، ص 14 - 34.
(2) انظر تفصيل هذه المعاني في الألوسي البغدادي، أبو الفضل شهاب الدين محمود: روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني، تحقيق محمد أحمد الأمد وعمر عبد السلام السلامي (بيروت: دار إحياء التراث العربي ومؤسسة التاريخ العربي، 1420/ 1999) ، ج 1 - 2، ص 690 - 695 وج 7 - 8، ص 23 - 24؛ ابن عاشور: تفسير التحرير والتنوير، ج 2، ص 339 - 350، وج 4، ص 7، ص 21 - 30.
(3) ابن عاشور: تفسير التحرير والتنوير، ج 2، 350.