الصفحة 29 من 47

البشري التي لا يمكن تصور حياة إنسانية مستقرة متوازنة في حال اختلالها جزئيًّا أو كليا. ويمكن القول إن هذه الأصول تقدم الضابط الكلي والمعيار الأعلى اللذين ترتد إليهما وتنبثق منهما سائر الضوابط والمعايير الجزئية التي تفاوتت أنظار العلماء في تحديدها قديمًا وحديثًا بين متشدد ومتسامح. [1] وفي ضوء هذا لا حرج في القول بأن"المصلحة مصدر تجديدي تطويري للفقه"وأن"الإفتاء المصلحي يمكن أن يأتي جديدًا لا مثالَ له سابق يقاس عليه، ويعتمد الاجتهادُ فيه على نظرة شاملة للفقه وخبرة بمقاصد الشرع يحوزها المفتي المستصلح" [2] والفقيه المجتهد، فضلًا عن دراية بمجريات الواقع ومشخصات الأفعال الإنسانية وتشابك الأوضاع الاجتماعية في مجالات الحياة مع مراعاة لأقدار تأثير بعضها في بعض.

سبق البيان بأن مقاصد الشريعة مصطلحًا ومفهومًا قد نشأت في كنف مناقشات الأصوليين ومجادلاتهم حول ركن العلة من القياس. وبعبارة أكثر تحديدًا ظهرت المقاصد بوصفها مجرد فصل أو جزئية من مبحث مسالك العلة. إلا أن مآلات النمو الذي شهده الدرس الأصولي انتهت بمقاصد الشريعة، التي تخلقت في تربة مبحث المناسبة، شجرةً ضاربة الجذور، باسقة الأفنان، وارفة الأغصان، دانية القطوف، تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها، ولم تعد المقاصد مجرد جزئية من جزئيات علم أصول الفقه وفرع من فروع مسائله. [3]

ومنذ أطلق الشيخ الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور دعوته إلى فصل دراسة المقاصد عن مباحث علم الأصول، تراوحت المواقف من تلك الدعوة بين ثلاثة اتجاهات:

أحدها: جعل مقاصد الشريعة قسما من أقسام علم الأصول، تضاف إلى أقسامه المعروفة: الحكم، والأدلة، ودلالات الألفاظ، والاجتهاد ... إلخ. وهو خيار فيه نظر لأنه يُبقي

(1) انظر تحليلًا ومناقشة لتلك الضوابط في البوطي: ضوابط المصلحة في الشريعة الإسلامية، ص 110 - 282.

(2) الراشد، محمد أحمد: أصول الإفتاء والاجتهاد التطبيقي في نظريات فقه الدعوة الإسلامية (فان كوفر/كندا: دار المحراب، ط 4، 1428/ 2007) ، ج 1، ص 293.

(3) ينظر على سبيل المثال في علاقة المقاصد بالمباحث الأصولية: اليوبي، محمد سعد بن أحمد بن مسعود: مقاصد الشريعة وعلاقتها بالأدلة الشرعية (الرياَض: دار الهجرة، 1418/ 1998) ؛ الخادمي، نور الدين بن مختار: المقاصد الشرعية وصلتها بالأدلة الشرعية والمصطلحات الأصولية (الرياض: دار إشبيليا، 1424/ 2003) ؛ ابن الخوجة، الشيخ محمد الحبيب: بين علمي أصول الفقه والمقاصد، وهو الجزء الثاني من كتابه: محمد الطاهر ابن عاشور وكتابه مقاصد الشريعة الإسلامية (الدوحة: وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية، 1425/ 2004) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت