الأقسام الأخرى من أصول الفقه على جفافها وفقرها إلى البعد القيمي، حيث إن الكثير منها في حاجة إلى توسيع وتطوير، حتى تصبح دراسته تسير في اتجاه البحث في المضامين القيمية للنصوص والأحكام الشرعية، بدلًا من قصر التركيز على المسائل اللغوية والكلامية. وفضلًا عما سبق، فإن هذا الخيار يوقعنا في مشكلة منهجية؛ حيث إننا إذا أعطينا البحث في المقاصد حقه ومداه فإن ذلك يؤدي إلى تضخّم الجزء الخاص به بشكل قد يطغى على الأجزاء الأخرى، وينتج عنه خلل منهجي وتضخّم في مباحث الأصول. وإذا أردنا تجنب هذا الخلل المنهجي بتحديد المباحث التي تدرس في هذا القسم بالقضايا الأساسية في المقاصد، فإن ذلك يؤدي إلى تحجيم هذه المباحث الحيوية وتضييق نطاق البحث فيها، ومن ثَمّ التقليل من فوائدها، وهو أمر سلبي غير مرغوب فيه.
وقد يبدو لأول وهلة أن هذا الخيار هو مسلك الشاطبي، حيث خصص للمقاصد الجزء الثاني من كتاب"الموافقات"، بسط فيه القول فيها. ولكن بما أن الشاطبي لم يكن يرمي من وراء تأليف الموافقات إلى وضع كتاب متكامل في أصول الفقه يشمل جميع أبواب هذا العلم بشكل مرتَّب، بل كان قصده تأصيل بعض المسائل الأصولية، وإعادة النظر في أخرى، وإضافة الكثير من المسائل إلى هذا العلم، ومنها مقاصد الشريعة، والدعوة إلى صياغة جديدة لعلم الأصول يكون عماد منهج البحث فيه الاستقراء، والخيط الناظم الذي يربط مباحثه والروح التي تسري فيه المقاصد الشرعية، فإنه من العسير أن ننسب إلى الشاطبي أنه بإفراده جزءا من الموافقات للمقاصد الشرعية يكون قد سار في اتجاه جعلها جزءا مستقلا من أجزاء هذا العلم.
ويبدو للباحث أن هذا الإفراد اقتضته ضرورة الريادة في التنظير لمباحث المقاصد، بقصد الإبراز والتوسُّع في البيان والاحتجاج والإثبات، وإن اقتضى ذلك شيئا من الاستطراد والإطناب، والتوسُّع في إيراد الشواهد. وهذا شأن العمل التأسيسي، إذ قد يحتاج صاحبه إلى طول نفس في الشرح والاستدلال بقصد البيان والإقناع، خاصة إذا كان المؤلف يتوقع إنكارا ومعارضة لما يؤسس له، وهو الأمر الذي كان يخشاه الشاطبي كما تحدث عن ذلك في مقدمة الكتاب.
وعلاوةً عما سبق، فإن النظر في كتاب الموافقات يدل على أن الشاطبي قد بناه على ما تقرر لديه من نتائج البحث الطويل في مقاصد الشريعة منهجا ومضمونا.