بينها ومراعاة مقاصد الشريعة تكون هي المرجِّحات الأساسية بين ما نُقِل إلينا من اجتهادات أهل العلم.
5.التفاوت في الاطلاع على الأحاديث النبوية الشريفة، بأن يكون بعضهم اطلع على حديث أو أحاديث لم يطلع عليها الآخر. ولا يبدو للمقاصد الشرعية أثر في الترجيح بين الآراء المبنية على هذا السبب؛ لأن اجتهاد من غابت عنه النصوص تُحكَّم فيه النصوص والقواعد الكلية ذات الصلة بالموضوع، فإن وافقها أُجْرِي، وإن خالفها دون أن يكون له سَنَدٌ أقوى من ذلك النص الذي غاب عنه أو يساويه رُدَّ، لأنه اجتهاد في غير محله.
تظهر الحاجة إلى النظر في مقاصد الشريعة عند تنزيل الأحكام الشرعية على الأفراد والجماعات في جانبين: أحدهما: حُسْن تحقيق مناط الحكم الشرعي، والثاني النظر في مآلات الأحكام المجرَّدة عند تنزيلها على الوقائع والأشخاص.
من المعلوم أن المقصود من شرع الأحكام ونصب الأدلة الشرعية عليها هو تنزيل أفعال المكلفين على حسبها. [1] فالأحكام الشرعية إنما أُنزِلت لتتحوَّل إلى واقع عملي في حياة الناس، ولكن الأدلة الشرعية في غالبها ممحَّضة للحكم في أجناس الأفعال المجردة، من حيث إن الأمر والنهي فيها"يتعلقان في الخطاب بصفة مباشرة بحنس الفعل، كأن يتعلق النهي بالسرقة، والأمر بالأمانة. أما الأفعال الجزئية المشخَّصة بظروف المكان والزمان، مما قام به زيد من سرقة، أو عمرو من أمانة، فإن (الأدلة تتعلق) بها بواسطة النظر العقلي، حيث يتم إرجاعها إلى أجناسها التي تعلق بها الوحي مباشرة لَمَّا يقع التحقُّق من أنها مناطة بالجنس المعيَّن"، [2] وهو المصطلح عليه عند الأصوليين بتحقيق المناط.
فالأصل في ما كان يتنزّل في القرآن الكريم من أحكام هو العموم والتجريد، أي التعلق بحنس الأفعال، وهو ما سماه الشاطبي اقتضاء الأدلة الأصلي للأحكام قبل طروء العوارض. وكثيرا ما كان يحصل بيان مناط الحكم سواء بالقرآن الكريم أو بالبيان النبوي الشريف، وهو ما اصطلح عليه الشاطبي بالاقتضاء التبعي، وهو الواقع على المحلّ مع اعتبار التوابع والإضافات، [3] ولكن ذلك البيان غير مستنفذ لجميع مناطات
(1) الشاطبي، الموافقات، ج 3، ص 30.
(2) النجار، في فقه التدين، ج 1، ص 50.
(3) وقد بيَّن الشاطبي أهم المواضع التي كان يتم فيها ذلك البيان. الموافقات، ج 3، ص 71 - 75.