الصفحة 34 من 47

قد تتغير في بعض الجزئيات بتغير الزمان والظروف، فيكون ذلك هو أساس القول بموافقة أحد الأقوال للمقاصد الشرعية أكثر من غيره. ومع ذلك ينبغي الإقرار بأن هذا الترجيح في ذاته قد يكون محلّ اعتراض ونزاع من قبل بعض الأطراف، ولا حرج في ذلك لأن الظنيات قابلة للاختلاف حولها.

ومن أجل بيان مجمل لدور المقاصد في الترجيح بين الآراء الفقهية، يمكن أن نرجع الاختلافات الفقهية في مجملها إلى ما يأتي:

1.الاختلاف في فهم النص الظني الدلالة الذي يحتمل أكثر من معنى، مع عدم وجود مرجِّح قاطع من المقام أو السياق أو القرائن النصية وغير النصية.

وفي هذا النوع من الخلافات الفقهية قد يكون للمقاصد الشرعية عنصر الحسم في ترجيح رأي على رأي آخر؛ فمادامت الأدلة متكافئة فإن اختيار ما يكون من الاجتهادات أقرب إلى تحقيق المقاصد الشرعية ذات الصلة بالموضوع، وأوفق بالمقاصد العامة للشريعة يكون هو المتعيِّن؛ لأنه من الثابت أن الأحكام الشرعية لم توضع اعتباطا، بل وُضِعت لتحقيق مقاصد الشارع من الخلق والتكليف.

2.الاختلاف بسبب الترجيح بين الأدلة التي تبدو في ظاهرها متعارضة. وهذا النوع من الاختلاف وإن كانت فيه طرق عديدة للترجيح بحسب نوع التعارض، إلا أن للمقاصد أثر في الترجيح يقوى ويضعف بحسب وجود مرجحات أخرى وبحسب قوة تلك المرجحات.

3.الاختلاف في تصحيح الأحاديث النبوية عندما يكون الدليل من السنة النبوية. وفي هذا النوع تكون الموافقة للمقاصد الشرعية الثابتة أحد العوامل (وليس العامل الوحيد) في تصحيح حديث أو تضعيفه، وبناء عليه ترجيح الرأي المبني على الحديث الصحيح، وجعل الرأي المبني على الحديث الضعيف مرجوحا.

4.الاختلاف في تقدير المصالح والمفاسد والترجيح بينها سواء كان ذلك بسبب اختلاف المدارك العقلية والخبرات العملية، أو بسبب اختلاف صور ومآلات الفعل أو التصرُّف من بيئة إلى أخرى أو من زمان إلى آخر.

وهذا النوع من الاختلافات هو المجال الأوسع لاستخدام المقاصد للترجيح بين الآراء، لأن مبنى تلك الآراء في الأساس على اعتبار المصالح. وتقدير المصالح والمفاسد قد يتغير بتغيُّر الظروف والمآلات، وهو المُعبَّر عنه في القواعد الفقهية بعدم إنكار تغيُّر الفتوى بتغيُّر الزمان. وإذا كان الأمر كذلك فإن إعادة النظر في تقدير المصالح والمفاسد والترجيح

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت