وخطورة دعوة ابن عاشور ليست في تأسيس علم خاص بمقاصد الشريعة؛ لأن مقاصد الشريعة بالصورة التي رسمها هو في كتابه مقاصد الشريعة الإسلامية من خلال الاقتصار على الحديث عن مقاصد التشريع العامة، والمقاصد الخاصة في المعاملات بين الناس يمكنها أن تكوِّن علما مستقلا، ويمكن فصلها في البحث عن أصول الفقه. ولكننا إذا أخذنا مقاصد الشريعة بالإطار الذي وضعه الإمام الشاطبي فإن فصلها عن أصول الفقه لا يكون ممكنا. ولكن وجه الخطورة يكمن في دعوته إلى إفراغ علم أصول الفقه من جواهره المقصدية، وإبقائه على ما هو عليه.
وبناء على ما سبق يتبين أن دعوة الفصل بالصورة التي دعا إليها ابن عاشور غير مناسبة، لإضرارها بعلم الأصول، ولكن يمكن أن تستبدل بصيغة معتدلة تحقق الفائدة للبحث المقاصدي ولأصول الفقه في آن واحد، وذلك بتحقيق استقلالية نسبية لـ"علم المقاصد"، فلا يُجرَّد علم الأصول من المقاصد، ولا يُحْصر البحث في المقاصد في إطار المباحث الأصولية، وهو الأمر الذي يقترحه بعض الباحثين في هذا الشأن. [1]
الاختلافات الفقهية أمر واقع بين فقهاء هذه الأمة من مختلف المذاهب الفقهية، أو بين علماء المذهب الواحد، والمفتي في هذا العصر قد يجد نفسه أمام اجتهادات مختلفة يتطلب الأمر اختيار أحدها. ولا شك أن الاختيار ينبغي أن لا يكون خاضعًا للتعصب المذهبي أو للرغبة والهوى، وإنما يكون بناء على قوة الدليل ومناسبة الرأي للواقعة محلّ الفتوى. وهنا يكون لمراعاة المقاصد الشرعية المحلّ الأكبر من الاعتبار في الترجيح، بأن يرجح المفتي الرأي الأقرب إلى تحقيق تلك المقاصد، فذاك هو المطلوب شرعا وعقلا.
وينبغي بداية توضيح نسبية تحديد المقاصد؛ فنحن لا نشك في أن كل اجتهاد مُعتَدٍّ به وصادر عمن هو مؤهل له قد سعى فيه صاحبه إلى تحقيق مقاصد الشارع، وبناء عليه، فنحن بترجيحنا اجتهادا على آخر اعتبارا لمراعاة المقاصد الشرعية لا نتهم طرفًا بالجهل بتلك المقاصد أو بعدم الاعتداد بها، وإنما الأمر مبني إما على كون المقاصد في بعض الجزئيات قد تكون ظنية أو خفية فتختلف درجة إصابتها من قبل المجتهدين، أو على كون المقاصد
(1) انظر: إسماعيل الحسني، نظرية المقاصد عند الإمام محمد الطاهر بن عاشور، ص 433؛ الريسوني، أحمد، نظرية المقاصد عند الإمام الشاطبي (فرجينيا: المعهد العالمي للفكر الإسلامي/ الدار العالمية للكتاب الإسلامي، ط 2، 1412 هـ) ص 315؛ غالية بوهدة،"استقلالية مقاصد الشريعة الإسلامية عن علم أصول الفقه بين النظرية والتطبيق"ورقة مقدمة للندوة العالمية عن الفقه الإسلامي وأصوله وتحديات القرن الواحد والعشرين: مقاصد الشريعة وسبل تحقيقها في المجتمعات المعاصرة، 8 - 10 أغسطس 2006 م، الجامعة الإسلامية العالمية بماليزيا، ضمن أعمال الندوة، ج 1، ص 302.