الصفحة 15 من 47

المناسبة مستقِلَّةٌ بإنتاج العلية"، ذلك أن المناسبة - كما يؤكد الرازي بوضوح -"علةٌ لِعِلِّية العلة". [1] "

فما مغزى هذا الكلام؟

إذا كان معنى المناسب كما بين الجويني والغزالي والرازي نفسه، وتبعهم على ذلك سائر علماء الأصول من بعد، يدور حول مراعاة المصلحة بأنواعها التي فصلوها ومراتبها التي حددوها، فإن ما قرره الرازي هنا لا يُبقي مجالًا للتردد في كون المناسبة هي الأصل الكلي الذي ترتد إليه قضية التعليل برمتها، إذ لم تعد المناسبة عنده مجرد مسلك يأتي في رتبة متأخرة عن عدد من المسالك النقلية والعقلية للكشف عن العلة، [2] بل هي المعين الذي منه تستمدُّ العلةُ عِلِّيتَها بقطع النظر عن المسلك الذي يُتَوَصَّلُ به إليها. وهذه نقلةٌ كبيرة لا نكاد نجد من انتبه إليها من دارسيه بما في ذلك مَنْ اختصروا المحصول كالسراج الأرموي أو شرحوه كالشهاب القرافي الذي لم يعلق بأي شيء على هذه التقريرات التي لا نكاد نجد لها نظيرًا في كتب الأصول! وعلى ذلك يمكن القول بأن الرازي قد سعى في الحقيقة إلى صياغة نظرية متكاملة في المناسبة تجعل سائر مسالك العلة التي ضبطها الأصوليون عناصر لها، بحيث إن تلك العناصر تكتسب مشروعيتها من هذا النظرية.

هذه الخطوة المنهجية والنظرية التي خطاها الفخر الرازي في تناول المناسبة وتأصيل معناها أصلًا كليًا للعلية في الأحكام الشرعية ستشهد تعميقًا لها عند نجم الدين الطوفي الذي يرى أن المناسب من المهمات ليس فقط"لأن عليه مدار الشريعة"، بل كذلك لأن عليه"مدار الوجود، إذ لا موجود إلا وهو على وَفْقِ المناسبة العقلية"، وإن كانت"أنواع المناسبات تتفاوت في العموم والخصوص والخفاء والظهور." [3] ولعله بسبب إدراك هذه الأهمية التي تكتسيها قضية المناسبة قال الإمام الشوكاني بشأنها ما قال حين قرر أنها"عمدة كتاب القياس ومحل غموضه ووضوحه." [4]

(1) الرازي: المحصول، ج 5، ص 457 (والتسويد من عندنا) .

(2) راجع تفصيل تلك المسالك في الغزالي: شفاء الغليل، ص 16 - 144؛ والمستصفى، ج 2، ص 298 - 314 (حيث احتل مسلك المناسبة المرتبة الرابعة قبل السبر والتقسيم في الكتاب الأول، بينما جاء في الكتاب الثاني تاليًا للسبر والتقسيم لا متقدمًا عليه، علمًا بأن الاستدلال على حجية المناسبة قد استغرق الحيز الأكبر من شفاء الغليل) ؛ الزركشي: البحر المحيط، ج 4، ص 165 - 230 (حيث جاءت المناسبة في الرتبة الخامسة) . وانظر السعدي: مباحث العلة، ص 339 - 523.

(3) الطوفي: شرح مختصر الروضة، ج 3، ص 382.

(4) الشوكاني، محمد بن علي: إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق من علم الأصول، تحقيق محمد صبحي بن حسن حلاق (بيروت/دمشق: دار ابن كثير، 1421/ 2000) ، ص 713.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت