إن ما قاله الطوفي عن المناسبة ينقلها من مستوى كونها نظرية في نظام أحكام الشريعة وما تنهض عليه من علل وما تتغياه من مقاصد تدور حول مصلحة الخلق، ليجعلها نظرية أوسع مدى تشمل نظام الخلق والكون من حيث قيامهما على وفق الحكمة الإلهية البالغة. وهكذا فنحن إزاء خطوة تأصيلية أخرى مهمة تؤكد الأصل الكبير الذي تقدم الكلام عليه في خصوص العلاقة بين الشريعة والفطرة والعقل، ذلك الأصل الذي سينطلق منه ابن عاشور لاحقًا في دعوته إلى إنشاء علم مقاصد الشريعة والتنظير له، وتأصيل عموم أحكامها للبشر كافة وشمولها لكل مجالات حياة الإنسان وصلاحيتها لكل العصور والأزمان. وقد شاع عند عدد من الكتاب أن الطوفي يقول بالمصلحة بصورة مطلقة، بحيث تكون لها الحكومةُ على ما سواها حتى وإن كان نصًّا من القرآن، وذلك اعتمادًا على شرحه لحديث"لا ضرر ولا ضرار"دون الرجوع إلى مؤلفاته الأخرى. إلا أن الناظر في شرحه لمختصر الروضة وفي شرحه للحديث المذكور معًا يصعب عليه قبول هذه النسبة، أو التسليم بها بإطلاق ومن دون تكييف، ولذلك فالأمر يتطلب شيئًا من التأني كما يحتاج إلى قراءة تناصٍّ لتحديد ما يمكن عدُّه رأيًا نهائيًّا للطوفي. وسنطيل الوقوف معه شيئًا ما نظرًا لما نتج عما نسب إليه من تجاذب في الآراء.
ليس من قبيل التجني على هذا العالِم المثير للجدل [1] أو الافتئات عليه الإشارة إلى الاضطراب الواقع في كلامه على المصلحة عند شرحه للحديث المذكور. بعد أن يذكر أن جملة أدلة الشرع كما يمكن استقراؤها في مختلف المذاهب الفقهية تسعة عشر بابًا بعضها متفق عليه وبعضها مختلف فيه، يعلق الطوفي بأن"قول النبي - صلى الله عليه وسلم: «لا ضرر ولا ضرار» يقتضي رعاية المصالح إثباتًا والمفاسد نفيًا؛ إذ الضرر هو المفسدة، فإذا نفاها الشرع لزم إثبات النفع الذي هو المصلحة؛ لأنهما نقيضان لا واسطة بينهما." [2] ومن بين التسعة عشر دليلًا التي أحصاها يقرر أن"أقواها النص والإجماع، ثم هما إما أن يوافقا المصلحة أو يخالفاها، فإن"
(1) ليس الطوفي مثيرًا للجدل فقط بسبب رأيه في المصلحة، بل اختلف الكاتبون حتى في انتمائه المذهبي، فمنهم من عده حنبلي المذهب، ومنهم من نسبه إلى التشيع، ومنهم من ذهب إلى حد اتهامه بعدم الانتماء إلى أيٍّ من المذاهب المعروفة ناسبًا له شعرًا في هذا المعنى يشي بنزعة عبثية لديه مما يتعارض مع الصورة التي تتراءى لنا من سائر مؤلفاته التي وصلت إلينا! انظر في هذا الصدد زيد، مصطفى: المصلحة في التشريع الإسلامي (القاهرة: دار اليسر للطباعة والنشر، 1427/ 2006) ، ص 89 - 105 (هذا ويشتمل هذا الكتاب على النص المحقق لشرح الطوفي لحديث الرسول - صلى الله عليه وسلم: «لا ضرر ولا ضرار» ، وهو في الحقيقة جزء من شرحه للأربعين النووية) ؛ البوطي، محمد سعيد رمضان: ضوابط المصلحة في الشريعة الإسلامية (بيروت: مؤسسة الرسالة، ط 7، 1421/ 2000) ، ص 178 - 179 (الهامش رقم 1) ؛ وكذلك مقدمة عبد الله التركي لشرح مختصر الروضة، ج 1، ص 33 - 37. وهذا الخلاف حول الهوية المذهبية للطوفي هو في الواقع موروث ممن ترجموا له من القدامى.
(2) مصطفى زيد: المصلحة في التشريع الإسلامي، ص 241.