الصفحة 17 من 47

وافقاها فبها ونعمت ولا نزاع؛ إذ قد اتفقت الأدلة الثلاثة على الحكم، وهي النص والإجماع ورعاية المصلحة المستفادة من قوله - صلى الله عليه وسلم: «لا ضرر ولا ضرار» ، وإن خالفاها وجب تقديم رعاية المصلحة عليهما بطريق التخصيص والبيان لهما، لا بطريق الافتئات عليهما والتعطيل لهما، كما تقدم السنة على القرآن بطريق البيان." [1] وبيان ذلك عند الطوفي أن هذين الدليلين"إما ألا يقتضيا ضررًا ولا مفسدة بالكلية، أو يقتضيا ذلك، فإن لم يقتضيا شيئًا من ذلك فهما موافقان لرعاية المصلحة، وإن اقتضيا ضررًا فإما أن يكون [أي الضرر] مجموع مدلوليهما أو بعضه، فإن كان مجموع مدلوليهما فلا بد أن يكون من قبيل ما اشتثني من قوله - صلى الله عليه وسلم: «لا ضرر ولا ضرار» ، وذلك كالحدود والعقوبات على الجنايات، وإن كان الضرر بعض مدلوليهما فإن اقتضاه دليلٌ خاص اتُّبِع الدليلُ الخاص وإن لم يقتضه دليل خاص وجب تخصيصُهما بقوله - صلى الله عليه وسلم: «لا ضرر ولا ضرار» ، جمعًا بين الأدلة." [2] "

فههنا نلاحظ أن الطوفي لا يرى تقديمَ المصلحة على النص والإجماع بإطلاق، وإنما من حيث كونها تصلح مخصصًا أو مبينًا لمقتضاهما. ومستنده في ذلك أنه يرى في هذا الحديث تعبيرًا عن أصل كلي يؤسس لمفهوم المصلحة من جهة ويعبر عن الاتجاه العام للشريعة من جهة أخرى، وهو ما يوضحه بقوله إنه"من المحال أن يراعي الله عز وجل مصلحة خلقه في مبدئهم ومعادهم ومعاشهم، [3] ثم يهمل مصلحتهم في الأحكام الشرعية؛ إذ هي أعم، فكانت بالمراعاة أولى، ولأنها أيضًا من مصلحة معاشهم؛ إذ بها صيانةُ أموالهم ودمائهم وأعراضهم، ولا معاش لهم بدونها، فوجب القولُ بأنه راعاها لهم. وإذا ثبتت رعايته إياها، لم يجز إهمالُها بوجه من الوجوه، فإن وافقها النصُّ والإجماع وغيرهما من أدلة الشرع فلا كلام، وإن خالفها دليلٌ شرعي وُفِّق بينه وبينها بما ذكرناه: من تخصيصه بها وتقديمها بطريق البيان." [4]

(1) المرجع نفسه.

(2) المرجع نفسه، ص 242. ونلاحظ هنا أن ما ذكره الطوفي من إمكانية اقتضاء النصوص الضرر، أو حتى معارضتها لما فيه مصلحة كلام غير مقبول، وربما أعذر صاحبه بأنه صدر منه من باب الاستطراد الذي تجر إليه روح المناظرة والتفريع النظري. فإذا كان الأصل في الشريعة انبناء أحكامها على مراعاة المصلحة تحصيلًا والمفسدة دفعًا، فإن ما قاله لن يعدو كونه افتراضًا لا يلتفت إليه. أما ما مثل به من الحدود والعقوبات وجعله استثناءً من قاعدة"لا ضرر ولا ضرار"فإنه ساقه مساقًا غفل فيه عن كون الحدود والعقوبات إنما هي مجعولة لتحقيق مصالح أكبر أو درء مفاسد أكبر.

(3) يشير الطوفي بهذا إلى ما استدل به على أن"أفعال الله - عز وجل - معللة بحكم غائية تعود بنفع المكلفين وكمالهم، لا بنفع الله - عز وجل - وكماله؛ لاستغنائه بذاته عما سواه"وعلى أن"رعاية المصالح واجبة من الله - عز وجل -؛ حيث التزم التفضل بها، لا واجبة عليه."كما يشير إلى ما ساقه من آيات وأحاديث تدل على أن أحكام الشريعة إنما وضعت لما فيه مصالح؛ إذ"ما من آية من كتاب الله - عز وجل - إلا وهي تشتمل على مصلحة أو مصالح."المرجع نفسه، ص 244 - 249.

(4) المرجع نفسه، ص 250.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت