الصفحة 18 من 47

وإذا ما تركنا الإجماع وما أثاره الطوفي بشأنه من إشكالات جانبًا، [1] فإن منشأ الإشكال فيما ذهب إليه بخصوص التعارض بين المصلحة والنص أنه ليس واضحًا المراد عنده بالنص، أهو مطلق خطابات الشرع مما قد تختلف وجوهُ الدلالة فيه وتتفاوت وضوحًا وخفاءً، وعمومًا وخصوصًا، وإطلاقًا وتقييدًا، وإجمالًا وبيانًا إلخ، بما يعني انفتاحَها لمحامل قد تتفاوت فيها أنظار المجتهدين حسب ما يعتمدونه من أدوات في التفسير والتأويل والتوفيق والترجيح والاستنباط، أم هو النص بالمعنى الاصطلاحي عند الأصوليين الذي لا يحتمل تعددًا في الدلالة وبالتالي لا مجال فيه للتأويل؟ لقد ميز الطوفي، شأنُه شأن سائر الأصوليين، بين"العبادات والمقدرات ونحوها"مما يكون التعويلُ فيه على النصوص على سبيل التعبد و"المعاملات والعادات"التي يُعتد فيها بالمصالح على سبيل التعليل، [2] وذلك بناءً على أن العبادات"حق للشرع خاص به، ولا يمكن معرفة حقه كمًّا وكيفًا وزمانًا ومكانًا إلا من جهته"؛ إذ"تخفى مصالحها عن مجاري العقول"وبناءً كذلك على أن المصلحة في"سياسة المكلفين في حقوقهم ... معلومة لهم بحكم العادة والعقل، فإذا رأينا دليل الشرع متقاعدًا عن إفادتها علمنا أنَّا أُحِلْنا في تحصيلها على رعايتها، كما أن النصوص لما كانت لا تفي بالأحكام علمنا أنا أُحِلنا بتمامها على القياس، وهو إلحاق المسكوت عنه بالمنصوص عليه بجامع بينهما." [3] وقد نبه كذلك إلى أن النصوص مختلفة، ويعتورها التعارضُ بما يجعلها منشأ للخلاف في فهم الأحكام في مقابل رعاية المصالح، حيث أن المصلحة"أمر حقيقي في نفسه لا يُختلف فيه." [4] إلا أنه على الرغم من أهمية هذه التوضيحات فإن الإشكال والالتباس لا يرتفعان بها بالكلية، فما قرره بشأن الوضوح الذاتي للمصلحة ليس أكثر من دعوى لا تسلم من الاعتراض فضلًا عن أن تثبت أمام النقض بما يُشاهد من اختلاف الناس وتنازعهم في معنى المصلحة وفيما هو مصلحة وما ليس بمصلحة، وفي مدى المصلحة ومجالاتها، وفي معاييرها وضوابط تحديدها، بمن فيهم أصحاب المذاهب العقلية الصرف إن ثبت وجود مثل هذه المذاهب أصلا. [5]

(1) من الاعتراضات التي يثيرها الطوفي على حجية الإجماع وهو أن وجود مذاهب فقهية متعددة واجتهادات مختلفة في فهم نصوص الشريعة واستنباط الأحكام منها من لدن الصحابة هو ذاته مثار ضد تلك الحجية. ولذلك يخلص إلى أن"السواد الأعظم الواجب اتباعه هو الحجة والدليل الواضح؛ وإلا لوم أن يتبع العلماء العامة إذا خالفوهم؛ لأن العامة أكثر، وهم السواد الأعظم". المرجع نفسه، ص 272.

(2) المرجع نفسه، ص 273 - 276.

(3) المرجع نفسه، ص 277 - 278.

(4) المرجع نفسه، ص 261.

(5) انظر عرضًا موجزًا بهذا الشأن في البوطي، ضوابط المصلحة، 27 - 44.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت