ومهما يكن من أمر، يبدو أن الطوفي لم يكن مهتمًّا بتقسيمات الأصوليين للمصلحة وتنويعهم لاعتباراتها المختلفة بقدر اهتمامه بالسعي لوضع نظرية شاملة فيها تتأصل في النظام العام لنصوص الشريعة وأصولها الكلية بما يجعل مفهوم المصلحة أمرًا كليًّا متقوِّمًا بنفسه بقطع النظر عن جزئياته وأفراده. وهذا ما نلحظه في تعليقه على مفهوم المصلحة المرسلة، فهو يذكر أن الطريقة التي استفادها من حديث «لا ضرر ولا ضرار» "ليست هي القول بالمصالح المرسلة على ما ذهب إليه مالك، بل هي أبلغ من ذلك، وهو التعويل على النصوص والإجماع في العبادات والمقدرات، وعلى اعتبار المصالح في المعاملات وباقي الأحكام." [1] وهو يزيد موقفه وضوحًا في باب الاستصلاح من شرحه على مختصر الروضة حيث يقول:"اعلم أن هؤلاء الذين قسموا المصلحة إلى معتبرة وملغاة، ومرسلة ضرورية وغير ضرورية، تعسفوا وتكلفوا، والطريقُ إلى معرفة حكم المصالح أعم من هذا وأقرب، وذلك بأن نقول: قد ثبت مراعاة الشرع للمصلحة والمفسدة بالجملة إجماعًا، وحينئذ نقول: الفعل إن تضمن مصلحة مجردة حصلناها، وإن تضمن مفسدة مجردة نفيناها، وإن تضمن مصلحة من وجه ومفسدة من وجه، فإن استوى في نظرنا تحصيل المصلحة ودفع المفسدة توقفنا على المرجح أو خيرنا بينهما ... ، وإن لم يستو ذلك بل ترجح أحدُ الأمرين تحصيلُ المصلحة أو دفع المفسدة فعلناه؛ لأن العمل بالراجح متعين شرعًا، وعلى هذا يتخرج كل ما ذكروه في تفصيلهم المصلحة." [2] ويرى الطوفي أن الأصل الذي ذكره كاف لأن تتخرج الأحكام عليه"عند تعارض المصالح والمفاسد فيها، أو عند تجردها"، وأنه بذلك"لا حاجة بنا إلى تنويع التصرف فيها بتقسيم وتنويع لا يتحقق ويوجب الخلاف والتفرق"، وذلك بناءً على أن الطريقة التي بينها"إذا تحققها العاقل لم يستطع إنكارها لاضطرار عقله إلى قبولها." [3]
والسؤال الآن هو: هل كان الطوفي منفردًا بهذا الرأي أو مبتدعًا فيه؟
لا يبدو الأمر كذلك، إذ نجد شيخه ابن تيمية قد مهد السبيل لمثل ما ذهب إليه، فقد أخذ على الأصوليين حصرهم مقاصد الشرع الكلية في الضروريات الخمسة المتمثلة في حفظ الدين والنفس والعقل والنسل والمال، حيث قال:"وقوم من الخائضين في أصول الفقه وتعليل الأحكام الشرعية بالأوصاف المناسبة، إذا تكلموا في المناسبة وأن ترتيب الشارع للأحكام الشرعية بالأوصاف المناسبة يتضمن تحصيل مصالح العباد، ودفع مضارهم، ورأوا أن المصلحة نوعان: أخروية ودنيوية، جعلوا الأخروية ما في سياسة النفس وتهذيب الأخلاق من الحكم، وجعلوا الدنيوية ما تضمن حفظ الدماء والأموال والفروج والعقول والدين الظاهر، وأعرضوا عن"
(1) مصطفى زيد: المصلحة في التشريع الإسلامي، ص 272.
(2) الطوفي: شرح مختصر الروضة، ج 3، ص 214.
(3) المرجع نفسه، ص 217.