الصفحة 20 من 47

العبادات الباطنة والظاهرة من أنواع المعارف بالله تعالى وملائكته وكتبه ورسله، وأحوال القلوب وأعمالها، كمحبة الله وخشيته وإخلاص الدين له، والتوكل عليه والرجا لرحمته ودعائه، وغير ذلك من أنواع المصالح في الدنيا والآخرة. وكذلك فيما شرعه من الوفاء بالعقود، وصلة الأرحام، وحقوق المماليك والجيران، وحقوق المسلمين بعضهم على بعض، وغير ذلك من أنواع ما أمر به ونهى عنه: حفظًا للأحوال السنية، وتهذيب الأخلاق، ويتبين أن هذا جزء من أجزاء ما جاءت به الشريعة من المصالح." [1] فابن تيمية في هذا النص أكثر وضوحًا وجرأة من الطوفي في تقرير انبناء الشريعة على اعتبار المصالح في سائر أحكامها، لا تمييز عنده في ذلك بين أحكام العبادات وأحكام المعاملات. فعنده أن مدار الشريعة على قوله تعالى: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} (التغابن: 16) المفسر لقوله: {اتَّقُوا اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ} (آل عمران: 102) ، وعلى قول النبي - صلى الله عليه وسلم: «فإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم» ،"وعلى أن الواجب تحصيل المصالح وتكميلها وتبطيل المفاسد وتقليلها، فإذا تعارضت كان تحصيل أعظم المصلحتين بتفويت أدناهما، ودفع أعظم المفسدتين مع احتمال أدناهما، هو المشروع." [2] "

بل إن ابن تيمية نفسه يبدو تابعًا فيما قاله وذهب إليه؛ ذلك أن أبا الوفاء ابن عقيل كان قد قرر من قبل أننا"إذا علمنا أن العليم الحكيم لا يتعبدنا إلا بما فيه المصلحة، قطعنا أن العبادات كلها مصالح، وإن لم نعلم وجه المصلحة في كل واحدة من العبادات بعينها، ولا يكون جهلنا بوجه المصلحة في كل شيء منها مخرجًا لنا عن العلم بأنه مصلحة في الجملة." [3] ومبنى ذلك عند الفقيه والنظار الحنبلي الكبير، والسلف الملهم لكل من ابن تيمية والطوفي، أن"السمع لما ورد بحظر أفعال في أعيان وإباجة أفعال في أعيان، وبان لنا بأن لهذه الأعيان مالكًا بدليل العقل"، علمنا"أنه أباح ما أباح وحظر ما حظر إما لمصلحة أو نفي مفسدة، أو لتحكمٍ ومطلق إرادة، ابتلاءً وامتحانًا، رجعنا إلى مقتضى الشرع فيما سكت عنه من إباحة أو حظر." [4] وينهض تأصيل ابن عقيل لقضية التعليل بالمصلحة على قاعدة كلية يتعاضد فيها الخلق والأمر ويتظافر فيها الطبع والشرع، فيتحقق ما أراده الله سبحانه من مقصد هداية خلقه ورعاية مصلحتهم."فكما أنه سبحانه قسم منافعهم الدنيوية بين كليات تولاها لا سبيل لهم إلى تحصيلها، ولا التسبب إلى تأثير ما يحصل عندها، كالرياح والسحاب والأمطار وخلق الحيوان لأنواع الأغراض، فجرت تلك مجرى النصوص التي لا"

(1) ابن تيمية: مجموع الفتاوى، ج 32، ص 234.

(2) شيخ الإسلام ابن تيمية: الفتاوى العراقية، تحقيق عبد الصمد المفتي (بيروت: المكتب الإسلامي، 1425/ 2004) ، ج 2، ص 883 - 884.

(3) الظفري، أبو الوفاء علي بن عقيل بن محمد بن عقيل الحنبلي البغدادي: الواضح في أصول الفقه، تحقيق جورج المقدسي (بيروت: الشركة المتحدة للتوزيع، 1423/ 2003) ، ج 4/ 2، ص 366.

(4) المرجع نفسه، ص 346.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت