الصفحة 21 من 47

سبيل للعبد إلى تحصيل الأحكام الحاصلة بها والصادرة عنها، وبين جزئيات وكلها إلى اكتساب خلقه واستخراجها بصفاء نحائزهم وصحة قرائحهم، كالحرث والحصاد والدياس وما يحتاجون إليه من بناء الأكنان والبيوت ونساجة الملابس ... فجمع لهم بين النعمتين: الكبرى التي تولاها، والصغرى التي ألهمهم توليها وهداهم إلى تحصيلها، بما منحهم من صحة النحائز وأدوات التحصيل من جودة القرائح." [1] ومقتضى هذا الكلام أنه كما احتوت الطبيعة أو الكون على أصول المنافع وكلياتها مما لا سبيل لغير الخالق إلى إيجاده وتكوينه ثم ترك للإنسان مجال التصرف فيها بمختلف وجوه التصرف من استخراج واستنماء واستعمال لما يفي بحاجاته، كذلك احتوت نصوص الشريعة على الأصول الكلية والقواعد العامة لتشريع المصالح تاركة للمجتهدين النظر في سبل تحقيق ماصدقاتها وجزئياتها بحسب الأحوال والأوضاع المتغيرة."

وجريًا على ما قرره هؤلاء الفقهاء نجد ابن قيم الجوزية يؤكد بكل ثقة وقوة أن"الشريعة مبناها وأساسها على الحكم ومصالح العباد في المعاش والمعاد"، وأنها"عدل كلها، ورحمة كلها، ومصالح كلها، وحكمة كلها"، وأن كل"مسألة خرجت عن العدل إلى الجور، وعن الرحمة إلى ضدها، وعن المصلحة إلى المفسدة، وعن الحكمة إلى العبث، فليست من الشريعة وإن أُدخلت فيها بالتأويل." [2]

وإذا كانت أحكام الشريعة قائمة على علل مناسبة لها جلبًا للمصالح ودرءًا للمفاسد، [3] فإن"معظم مقاصد القرآن الأمر باكتساب المصالح وأسبابها، والزجر عن اكتساب المفاسد وأسبابها." [4] على أنه إذا كانت مصالح الآخرة وأسبابها ومفاسدها وأسبابها لا تعرف إلا بالشرع بحيث إذا خفي منها شيء طُلب من أدلته، فإن مصالح الدنيا وأسبابها ومفاسدها وأسبابها - كما يؤكد العز بن عبد السلام"معروفة بالضرورات والتجارب والعادات والظنون المعتبرات، فإن خفي منها شيء طُلب من أدلته" [5] من ضرورة عقلٍ أو تجربة حس أو مستقِرِّ عادة أو معتَبَر ظن. وبناءً على ذلك لا يتردد أن يقرر أنه"من أراد أن يعرف المناسبات والمصالح والمفاسد، راجحَها ومرجوحَها، فلْيعرض ذلك على عقله بتقدير أن الشرع لم يرد به، ثم يبني عليه الأحكام، فلا يكاد حُكمٌ منها يخرج عن ذلك"

(1) المرجع نفسه، ص 367

(2) ابن قيم الجوزية: إعلام الموقعين عن رب العالمين، تحقيق عصام الدين الصبابطي (القاهرة: دار الحديث، 1425/ 2004) ، ج 2/ 3، ص 5.

(3) عز الدين بن عبد السلام: القواعد الكبرى، ج 2، ص 7.

(4) المرجع نفسه، ج 1، ص 11 - 12.

(5) المرجع نفسه، ص 13.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت