إلا ما تعبد الله به عباده ولم يقفهم على مصلحته أو مفسدته"، وذلك نظرًا لما في الأفعال من صفات حسن أو قبح يمكن للعقل أن يعرفها، ولكن دون إيجاب على الله تعالى الذي"إنما يجلب مصالِحَ الحسن ويدرأ مفاسد القبيح طَوْلًا منه على عباده وتفضلا." [1] وهذا أمر ينبثق من أصل كلي أصله الفقيه الشافعي مفاده أن"الشريعة كلها نصائح، إما بدرء مفاسد، أو بجلب مصالح"، ولذلك فإن الله عز وجل"قد أبان في كتابه ما في بعض الأحكام من المفاسد حثًّا على اجتناب المفاسد، وما في بعض الأحكام من المصالح جثًّا على إتيان المصالح"، [2] بحيث ينفتح الباب أمام عقل المجتهد فيفرع عليها وينسج على منوالها مستهديًا بميزان الشريعة في ترتيب المصالح والمفاسد على أسبابها، والتبصر بوسائل تحصيلها، ومراعاة مراتبها من حيث القوة والضعف، والخصوص والعموم، وتقدير مداها من حيث التوقيت والدوام، والنظر في كيفيات التوفيق أو الترجيح بينها عند التزاحم والتعارض، واعتبار تفاوتها حسب الأشخاص والجماعات واختلافها عبر الزمان والمكان."
يمكن القول إن هذا النهج من اعتبار أن أحكام الشريعة مبناها على رعاية المصلحة هو نهج غالب العلماء من فقهاء وأصوليين حتى عصرنا هذا. فعليه أقام الإمام الشاطبي جهده الكبير في إعادة صياغة علم أصول الفقه من خلال جعل مقاصد الشريعة المحور الذي تدور عليه سائر مباحثه وتتكيف وفقًا له سائر مسائله. فكون أحكام الشريعة إنما وضعت لمصالح العباد حقيقة ثابتة عنده قد دل عليها استقراء الشريعة"استقراءً لا ينازع فيه الرازي ولا غيره"، فضلًا عن أن"التعاليل لتفاصيل الأحكام في الكتاب والسنة ... أكثر من أن تحصى." [3] فهذه قضية لا يرى الشاطبي مجالًا للتردد فيها؛ لأنها قائمة على الاستقراء المفيد للعلم، الأمر الذي يجعلنا"نقطع بأن الأمر مستمر في جميع تفاصيل الشريعة"، والأمر الذي به كذلك"ثبت القياس والاجتهاد." [4] ذلك أن الشارع قد قصد بالتشريع إقامة المصالح الأخروية والدنيوية"على وجه لا يختل لها به نظام، لا بحسب الكل ولا بحسب الجزء، وسواء"
(1) المرجع نفسه، ص 13 - 14.
(2) المرجع نفسه، ص 14.
(3) الشاطبي، أبو إسحاق إبراهيم بن موسى: الموافقات في أصول الشريعة، تحقيق عبد الله دراز (بيروت: دار المعرفة، 1416/ 1996، نشرة بعناية إبراهيم رمضان) ، ج 1، ص 322 - 323. وقد خص الشاطبي فخر الدين الرازي بالذكر لأنه من أكثر من أثار الاعتراضات على تعليل أحكام الشريعة بالأغراض الباعثة على شرعها. (انظر في ذلك الرازي: المحصول، ج 5، ص 128 - 135) .
(4) الشاطبي: الموافقات، ص 323.