الصفحة 32 من 47

قريبة منها"، [1] بمعنى أن تصبح قواعده ومسائله قطعية، أو قريبة من القطع، ومن ثم تحقيق الأمر الثاني: وهو أن تصبح تلك القواعد الفيصل الذي يفصل بين المذاهب عند اختلافها، أو على الأقل وسيلة إلى إقلال الاختلاف بين فقهاء الأمصار، أما الأمر الثالث: فهو أن تكون نبراسا يهتدي به المتفقهون في الدين، بمعنى أنها تطلع المتفقه على فلسفة التشريع الإسلامي، بمعرفة مقاصده وغاياته. [2] "

ولكن الواقع أن مسألة الظنية لا تقتصر على مسائل الأصول، بل تدخل الكثير من مباحث المقاصد وقواعدها. وحتى في القواعد المقاصدية التي تتسم بالقطعية، فإن الظن والاختلاف يدخلها عندما ينتقل الأمر إلى تحقيق مناطها في الواقع.

وواضح من كلام ابن عاشور أنه يرى الفصل الكامل بين علم أصول الفقه و"علم مقاصد الشريعة"، ولا يرى داعيا لتطوير علم أصول الفقه، بل يدعو إلى تركه"على حاله، تستمد منه طرق تركيب الأدلة الفقهية"، [3] وتوجَّه العناية الكبرى إلى استنباط وتطوير مبادئ وقواعد"علم مقاصد الشريعة"لتكون"أصولا قطعية للتفقه في الدين". [4]

ولكن مع هذه الدعوة فإن ابن عاشور لا يرى"علم مقاصد الشريعة"بديلا عن علم أصول الفقه، بل يراه مكملا له، حيث تكون وظيفة أصول الفقه تزويد الفقيه بـ"طرق تركيب الأدلة الفقهية"، ووظيفة"علم مقاصد الشريعة"هو التفقه في الدين، والفصل بين الفقهاء في اختلافاتهم، والتقريب بين وجهات نظرهم. [5]

ولا يبدو أن ضررًا ما سيلحق بمقاصد الشريعة إذا أُفْرِدت بعلم خاص على الطريقة التي دعا إليها ابن عاشور، حيث إنها ستأخذ جواهر علم الأصول لتضاف إليها مباحث أخرى. إلا أن الفصل على الطريقة التي صوّرها ابن عاشور (بإبقاء علم أصول الفقه على ما هو عليه) سوف يكون لا محالة مُضِرًّا بعلم أصول الفقه. و يكون ذلك الضرر من جانبين: أحدهما: إفقار علم أصول الفقه بتجريده من أجزاء مهمة منه ونقلها إلى"علم مقاصد الشريعة"، والثاني: حرمانه من التطور المنهجي والمضموني الذي توفره له مباحث مقاصد الشريعة. وهذا طريق إلى إضعاف علم أصول الفقه دون إيجاد بديل له يمكن أن يسد مسده.

(1) ابن عاشور، مقاصد الشريعة، ص 166.

(2) المرجع نفسه، ص 165.

(3) المرجع نفسه، ص 172.

(4) المرجع نفسه، ص 172.

(5) المرجع نفسه، ص 165، 172.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت