الصفحة 28 من 47

بصور كلية من أنواع هاته المصالح. فمتى حلت الحوادث التي لم يسبق حلولُها في زمن الشارع، ولا لها نظائرُ ذاتُ أحكام متلقاة منه، عرفنا كيف ندخلها تحت تلك الصور الكلية، فنثبت لها من الأحكام أمثالَ ما نثبت لكلياتها." [1] وبذلك يتهيأ لشيخ الزيتونة أن يحل إشكال الاحتجاج للمصالح المرسلة التي طالما جرى التنازع فيها بين موسع ومضيق، فهو يرى أن ليس على العالم أن يحصر نفسه في المصالح المنصوص على حكمها أو الملحقة بنظائرها قياسًا، وإنما من الواجب عليه"تحصيل المصالح غير المثبتة أحكامها بالتعيين ولا الملحقة بأحكام نظائرها بالقياس"، بناءً على"وجوب اعتبار جنسها على الجملة وبدون الدخول في التفاصيل." [2] ذلك أن أدلة اعتبار أجناس المصالح"حاصلةٌ من استقراء الشريعة قطعًا أو ظنًّا قريبًا من القطع"، كما أن"أوصاف الحكمة قائمةٌ بذواتها غير محتاجة إلى تشبيه فرع بأصل، وإنما هي واضحةٌ للناظر فيها وضوحًا متفاوتًا، لكنه غير محتاج إلى استنباطٍ ولا إلى سلوك مسالكه. [3]

وعلى ما قرره ابن عاشور مما يبدو أن طوائف واسعة من فقهاء العصر يميلون إليه نقفي فنقول: إن مراعاة الشريعة للمصالح وفتحها الباب للمجتهدين لتكييف الوقائع والنوازل والحكم عليها وفق ما تشتمل عليه من المصالح جلبًا أو تتضمنه من المفاسد دفعًا أو الترجيح بينها عند التزاحم والتعارض أو بين طرفي المصلحة والمفسدة عند التشابك ليس ناشئًا عن نزعة ذرائعية في النظر إلى المصلحة أو فهم مادي لمعناها ومضمونها، ولا هو متروك تقديره لبادئ الرأي وعفو الخاطر، فليس مثل ذلك مما يمكن أن يخطر على بال أي فقيه من فقهاء الشريعة يحترم عقده وعقله. وإنما مفهوم المصلحة في النظر الشرعي منبثق عن رؤية كلية لكينونة الإنسان وكيان المجتمع يتحدد معنى المصلحة والمفسدة والنفع والضر فيها بأبعاده المادية والروحية والخلقية والمعنوية على مستوى الفرد وعلى مستوى الجماعة سواء، ويكون فيه الاهتمام بالمصلحة والمفسدة في ذاتها بقدر الاهتمام بالوسيلة المفضية إليها حيث لا مجال لمقولة الغاية تسوغ الوسيلة.

ولعله من هذا المنطلق وفي ضوء هذا التقدير نستطيع أن ندرك المغزى الحقيقي لما فعله الإمام الغزالي حيث قرر أن المصلحة هي ما أدى إلى حفظ الكليات الخمسة الضرورية (الدين والنفس والعقل والنسل والمال) أو بعضها فيطلب تحصيله، وأن المفسدة هي ما أدى إلى تفويت شيء من ذلك فيطلب درؤه. ذلك أن هذه الضروريات تمثل الأصول التي ترجع إليها المصالح في كلياتها وجزئيات تفاصيلها وأعيانها، فضلًا عن أنها تعكس الأبعاد المختلفة لمقومات الوجود

(1) المرجع نفسه، ص 308 - 309.

(2) المرجع نفسه، ص 310.

(3) المرجع نفسه، ص 310 - 311.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت