الصفحة 6 من 47

الفضائل الذائعة المقبوله، فجاء بها الإسلام وحرض عليها؛ إذ هي من العادات الصالحة المتأصلة في البشر، والناشئة عن مقاصد من الخير سالمة من الضرر، فهي راجعة إلى أصول الفطرة." [1] وبعبارة أخرى فإن"أصول البر والإثم وكلياتها"هي الفطرة، وهي"الدين الذي لا يتغير بتغير الأعصار." [2] ولو أن العلماء الذين تناظروا في مسألة التعليل وذهبوا فيها مذاهب شتى ينفي بعضها بعضًا وينقض الواحد منها ما ينسجه الآخر، وقرروا بشأنها أقوالًا تتجافى وروحَ القرآن ونهجه وتُناكِبُ سبيلَ السنة ومسلكها، انتبهوا إلى ما أسسه الإسلام من هذه العروة الوثقى بين مقررات الشرع وأحكامه من جهة وطبيعة الخلق وما فطر الله عليه الإنسان من عقل من جهة أخرى، لَمَا ورطوا فيما ورطوا فيه، فالشريعة أمر الله وقدره الشرعي والفطرة خلق الله وقدره الكوني، لا تبديل لخلق الله ولا معقب على حكمه. وبناءً على ذلك يمكن القول مع القاضي عبد الجبار بأن"كلَّ ما على المكلف فعلُه أو تركه قد ركَّب الله جُمَلَهُ في العقول، وإنما لا يكون في قوة العقول التنبيهُ على تفاصيلها، سواء كان في أمور الدين أو في أمور المعاش ومنافع الناس، وسواء كان الديني من باب العقليات أو الشرعيات"، وبذلك تكون التكاليف التي جاءت بها الشريعة"مطابقةً للعقول، وكذلك أحوال المعاملات وما يتصل بالضر والنفع." [3] وحيث تقررت في العقول تلك الأصول والجملُ والكليات التي بها قوام الفطرة التي فطر الله الإنسان عليها، فإن الشريعة الإسلامية جاءت تدعو الناس إلى تقويم الفطرة والحفاظ على مظاهر صلاحها وإحياء ما اندرس منها وتخليصها مما غلث بها من الرعونات والأحوال الفاسدة في الفكر والاعتقاد والعمل. [4] "

ونحسب أن أولئك النفر من الأصوليين الذين استقام لهم الأمر فنطروا إلى الأحكام الشرعية من زاوية ما أنيط بها من حِكَمٍ قُصِدَ بها استصلاحُ الخلق في معاشهم ومعادهم، إنما كانوا يصدرون عن إدراك لهذا الأصل الأصيل الذي به يتقوم خلودُ الشريعة ويتأسس شمول أحكامها لكل البشر وتتأيد صلوحيتها لكل الأوضاع والأحوال. فإمام الحرمين الجويني الذي وضع الصياغة النظرية الأولى لمقاصد الشريعة عند حديثه عن"تقاسيم العلل"

(1) ابن عاشور، محمد الطاهر: مقاصد الشريعة الإسلامية، تحقيق محمد الطاهر الميساوي (عمان: دار النفائس، ط 2، 1421/ 2001) ، ص 264.

(2) الدهلوي، شاه ولي الله ابن عبد الرحيم: حجة الله البالغة، تعليق محمد شريف سكر (بيروت: دار إحياء العلوم، ط 2، 1413/ 1992) ، ج 1، ص 85 (ولعل الصحيح: وكلياتهما بالإضافة إلى البر والإثم) .

(3) القاضي عبد الجبار: المحيط بالتكليف (جمع الحسين بن أحمد بن متويه) ، تحقيق عمر السيد عزمي (القاهرة: الدار المصرية للتأليف والترجمة، د. ت.) ، ص 31 - 32.

(4) ابن عاشور: مقاصد الشريعة الإسلامية، ص 263 - 265.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت