الصفحة 41 من 47

تحقُّق قصد الشارع من تشريع الحكم في تلك الصور والحالات، بل يكون تحقيق المقصد في إعطاء تلك الحالات والصور أحكاما خاصة مستثناة من القواعد العامة.

ومن الاستثناء ما يكون بنص خاص من نصوص القرآن أو السنة، وهو ما يعبِّر عنه الأصوليون بالتخصيص والاستثناء، ومنه ما يكون بفعل المجتهد حين يخصص النصوص والقواعد الشرعية العامة، ومنها القياس، بعد النظر في مقاصد النصوص والأحكام، وقد لا يكون ذلك التخصيص بنص خاص بالمسألة، ولكن بما هو مُسْتَشَفٌّ من نصوص الشريعة وقواعدها العامة. ومن هذا الباب ما يعبِّر عنه بعض علماء المالكية بالتخصيص بالمصلحة أو الاستحسان بالمصلحة، والاستحسان بترك اليسير للتَّوسعة. [1] ومنه ما يعبِّر عنه علماء الحنفية بالاستحسان بالضرورة. [2] فإن في جميع هذه الحالات نجد الامتناع عن طرد قواعد عامة - نصوصًا كانت أو أقيسة - في بعض الأفراد؛ لأن مقاصد الشارع تقتضي استثناءها من تلك القواعد، وإعطاءها أحكاما خاصة، أو إلحاقها بقواعد أخرى أكثر لصوقا بها.

5.مراعاة الخلاف: لا شك أن من المقاصد العظمى للشريعة الإسلامية تحقيق الأخوة بين المسلمين، والمحافظة عليها بالنهي عما يؤدي إلى إفسادها، وقد جاء بهذا كثير من الأحكام الشرعية، مثل النهي عن خطبة الرجل على خطبة أخيه، وبيعه على بيع أخيه، والنهي عن الغرر، وعما يؤدي إلى النزاع والشقاق مثل العقود التي تنطوي على جهالة.

ومما قد يؤدي إلى خرم آصرة الأخوة وإثارة الشقاق عدم احترام الرأي المخالف مادام في دائرة الخلاف المقبول شرعا، هذا، فضلا عن أن وقوع الخلاف في المسائل الظنية ليس خارجا عن مقاصد الشارع، بل هو أمر ملازم للطبيعة البشرية، أقرَّه الشارع بإقرار الاجتهاد.

وتأسيسًا على ما سبق، ينبغي على المجتهد عند تنزيل الأحكام مراعاة المذهب السائد في المنطقة، وما درج عليه الناس في حياتهم اليومية من أحكام ذلك المذهب، تجنُّبا لما قد يقع من فتنة وقطع لأواصر الأخوة بسبب مسائل ظنية قابلة للاختلاف.

ويكفي الاستدلال على هذا بفعل عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - لَمَّا صلّى خلف عثمان بن عفان - رضي الله عنه - بمنى مُتِمًّا، مع أنه كان يقول بالقصر، وكان قد حاجج عثمان - رضي الله عنه - في مذهبه بالإتمام. ولَمّا سئل - رضي الله عنه - عن اتباعه مذهب عثمان قال:"الخلاف شرّ." [3]

(1) الشاطبي، الموافقات، ج 4، ص 363.

(2) الدبوسي، أبو زيد عبيد الله بن عمر بن عيسى، تقويم الأدلة في أصول الفقه، ص 405 - 406.

(3) سنن أبي داود، كتاب المناسك، باب الصلاة بمنى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت