الخطاب عدم العمل بالنص لأن مناطه لم يعد متحققا، فهو لم يقرر عدم تنزيل الحكم على الواقع إلى الأبد، ولكن في تلك الظروف، فإذا جَدّ ظرف تحقّق فيه مناط الحكم والمقصد منه صُرف للمؤلفة قلوبهم نصيبهم من الزكاة.
وكذلك ما فعله في الزواج من محصنات أهل الكتاب، فإن القرآن قد أباح الزواج منهن كما أباح أكل طعامهم، ربما تأليفا لقلوبهم، وتوسيعا على المؤمنين؛ إذ قد تُلجِئ الحاجة أو الضرورة بعضهم إلى ذلك في وقت ما. ولكن لما رأى عمر إسرافا في ذلك وسوء استخدام لهذا المباح، إذ كان في غالبه غير محتاج إليه، فضلا عما ينتج عنه من تعنيس وفتنة للمؤمنات، وخطر على أسرار الدولة وخططها إذا تزوج القادة منهن، تحقق لديه أن مناط الحكم الذي يترتب عليه المقصد من إباحة هذا النوع من الزواج غير متحقق في غالب تلك الحالات، فنهى عن ذلك الزواج، مع بقاء حكم الإباحة إلى الأبد عند تحقق المناط، وهو الحاجة أو الضرورة الملجئة ووجود مصلحة راجحة في ذلك الزواج.
وكذلك ما فعله مع غلمان لحاطب بن أبي بلتعة حين سرقوا ناقة فانتحروها وأكلوها. فلما رفع الأمر إلى عمر بن الخطاب، لم يقطع أيديهم، وقال لسيدهم:"لولا أني أظن أنك تجيعهم حتى أن أحدهم أتى ما حرّم الله، لقطعت أيديهم، ولكن والله لئن تركتهم لأغرمنك غرامة توجعك"وغرّمه ضعف ثمن الناقة. [1] فكأن عمر هنا جعل ضرورة الجوع بمنزلة الإكراه الذي هو من مسقطات عقوبة السرقة، [2] ولم يطبق حد السرقة عليهم لعدم وجود مناطه، بسبب عدم توفر بعض شروط إقامة الحد.
(1) أخرجه البيهقي في سننه، ومالك في الموطأ.
(2) قعله جي، موسوعة فقه عمر بن الخطاب، ص 491.