الصفحة 44 من 47

الشرعية، وجب عليه تغيير التشريع إلى ما يعين على علاج ذلك الخلل. وفي هذا أمثلة كثيرة من تاريخ الفقه الإسلامي، منها: زيادة الصحابة عقوبة شرب الخمر إلى ثمانين جلدة، وإمضاء عمر بن الخطاب الطلاق بلفظ الثلاث ثلاثا بعد أن كان يحسب طلقة واحدة، وربط علماء المالكية تحريم بيوع الآجال بأثرها في المجتمع؛ فإذا فشا التعامل بها وانقلب إلى تحيُّل على الربا أُفْتِي بمنعها لما ينتج عن الربا من مفاسد اجتماعية، أما إذا كان وقوعها قليلا بحيث لا يكون مظنة التحيُّل على الربا لم تُمْنَع. [1]

8.التدرُّج: مراعاة التدرج في تنزيل الأحكام على الواقع أمر نسبي يختلف باختلاف المحل، من حيث قوة صلة المكلَّفين بالدين، والظروف البيئية، ونوع الأحكام الشرعية المنزَّلة على الواقع.

ومما لا شك فيه أن التدرج في التشريع خاصية من خصائص عصر التنزيل زالت باكتمال الشريعة واستقرارها وانقطاع الوحي، فلا سبيل إلى العودة إليه بحال. وإنما المقصود هنا هو التدرج في الدعوة والتطبيق. والأصل فيمن دخل هذا الدين أن يستسلم لحكم الله تعالى بجميع أحكامه في حدود طاقته، ولكن قد تطرأ بعض الظروف تجعل من العسير جدا تطبيق الأحكام الشرعية ـ خاصة منها ذات الصبغة الاجتماعية ـ دفعة واحدة، فيحتاج الأمر إلى شيء من التدرج فيما يقبل التدرج، ويكون ذلك إما بمراعاة سُلَّم الأولويات، أو بالبدء بالممهدات، أو بالتدرج الكمي، أو بتأخير بعض الأحكام إلى أن يتم تهيئة الظروف المناسبة لها.

وهذا الموضوع في غاية الحساسية، ولذلك فهو يحتاج إلى تقدير من أهل العلم، قائم على الإخلاص وصدق النية، ودراسة موضوعية للواقع، مع بذل قصارى الجهد في البلوغ بتطبيق الأحكام الشرعية مداه، حتى لا ينقلب التدرج ذريعة إلى تعطيل الشرع بحجج واهية هي عين ما جاء الشرع لمحاربته.

أما الدليل على اعتبار التدرج فمنه وقوع التدرج والنسخ في عصر التنزيل. والتدرج في التشريع وإن كان خاصا بعصر التنزيل، إلا أنه يرشد إلى أن التدرج من سنن الله في الكون.

ومنه وصية الرسول - صلى الله عليه وسلم - لمعاذ بن جبل - رضي الله عنه - حين بعثه إلى اليمن فقال:"ادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، فإن هم أطاعوا لذلك، فأعلمهم أن الله قد افترض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة، فإن هم أطاعوا لذلك، فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة في أموالهم، تؤخذ من أغنيائهم وترد على فقرائهم" [2] .

(1) ابن عاشور، مقاصد الشريعة، ص 368 - 369.

(2) أخرجه البخاري عن ابن عباس.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت