الفردي بأن يأخذ الإنسان من العمل ما يطيق؛ لأن من مقاصد الشارع المداومة على العمل الصالح ليستمرّ أثره الإيجابي في تهذيب السلوك والسمو بالروح طيلة عمر الإنسان، مصداقا لقول الرسول - صلى الله عليه وسلم - لما سئل: أي العمل أحب إلى الله؟ قال:"أدومه وإن قلّ"، [1] والمداومة تقتضي التوسُّط والاعتدال، لأن الإفراط والتنطُّع قد يؤدي إلى الانقطاع والانتكاس، كما بينه قول الرسول - صلى الله عليه وسلم:"إن الدين يُسْر، ولن يشادّ الدين أحد إلا غلبه، فسدِّدوا وقاربوا، وأبشروا، واستعينوا بالغدوة والروحة، وشيء من الدلجة". [2]
أما على المستوى الجماعي، فإن الأمر لا يبعد عن ذلك المعنى، حيث إن التشريعات التي تسنُّ لعامّة الناس ينبغي أن تتَّسم بالتوسُّط والاعتدال مراعاة لكون الناس ليسوا على درجة واحدة، ففيهم صاحب الهمة العالية، وفيهم صاحب النفس الضعيفة. والوسطية في التشريع تلبِّي الحدّ المقبول الذي يحتاجه صاحب الهِمّة العالية، وترتفع بصاحب النفس الضعيفة درجة لا يَعْسُر عليه الارتقاء إليها. ويؤيد ذلك ما ورد في السنة من نهي النبي - صلى الله عليه وسلم - عن الإطالة في الصلاة بالعامة مراعاة لظروفهم، فعن أبي هريرة أنه - صلى الله عليه وسلم - قال:"إذا صلى أحدكم بالناس، فليخفِّف، فإن فيهم السقيم، والضعيف، والكبير. فإذا صلى أحدكم لنفسه فليطوِّل ما شاء". [3]
7.مراعاة الواقع والظروف: وهذا العنصر مكمِّل للعنصر السابق، وذلك أن من الأحكام ما يتراوح بين حدين: أحدهما يميل نحو التشديد، والآخر يميل نحو التيسير. وعلى من ينزل الأحكام على الوقائع الفردية أن ينظر حال الشخص عند إفتائه، فإذا كان مثلا من أهل الغلو والتشديد على النفس، مال به نحو الاعتدال، وإذا كان من أهل المعاصي والاستخفاف بحرمات الله مال به نحو ما يحقق زجره عن ذلك ويعود به إلى طريق التوسط والاعتدال. [4] وكل هذا ينبغي أن يكون بعيدا عما قد يقع من فساد في بعض الذمم من إفتاء الناس بالمحاباة بحسب ما يربطهم بالمفتي من علاقات رغبة أو رهبة.
ومن الناحية الاجتماعية، ينبغي على المجتهد أن يستشعر في الوقت نفسه أنه مصلح اجتماعي، فيتحرى الطريق الذي يجعل فتواه تؤدي إلى تحقيق الإصلاح الاجتماعي الذي هو من أعظم مقاصد الشرع الإسلامي. ومع أن الأصل في التشريعات الجماعية أن تميل نحو التوسط والتيسير، كما سبق الإشارة إليه في العنصر السابق، إلا أنه إذا رأى المفتي أن شيئًا من ذلك التيسير يقود نحو ظاهرة اجتماعية سلبية، أو يؤدي إلى الاستخفاف بالأحكام
(1) أخرجه مسلم في صحيحه.
(2) أخرجه البخاري، باب الدين يسر.
(3) أخرجه النسائي وصححه الألباني.
(4) وقد بين الإمام الشاطبي أن هذا المنهج من خصائص الشريعة الإسلامية في أوامرها ونواهيها. انظر ذلك في: الموافقات، ج 2، ص 463 - 468.