وإذا تكلم بكلمة الكفر طوعا فقد شرح بها صدرا وهي كفر، وقد دل على ذلك قوله تعالى {يحذر المنافقون أن تنزل عليهم سورة تنبئهم بما في قلوبهم، قل استهزءوا إن الله مخرج ما تحذرون ولئن سألتهم ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب، قل أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزءون، لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم، إن نعف عن طائفة منكم نعذب طائفة بأنهم كانوا مجرمين} .
فقد أخبر أنهم كفروا بعد إيمانهم مع قولهم: إنا تكلمنا بالكفر من غير اعتقاد له، بل كنا نخوض ونلعب، وبَيَّن أن الاستهزاء بآيات الله كفر، ولا يكون هذا إلا ممن شرح صدره بهذا الكلام؛ ولو كان الإيمان في قلبه لمنعه أن يتكلم بهذا الكلام. اهـ [1]
وقال ابن تيمية أيضا: قال سبحانه {من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان ولكن من شرح بالكفر صدرا فعليهم غضب من الله ولهم عذاب عظيم} ، ومعلوم أنه لم يُرد بالكفر هنا اعتقاد القلب فقط، لأن ذلك لا يكره الرجل عليه، وهو قد استثنى من أكره ولم يرد من قال واعتقد؛ لأنه استثنى المكره وهو لا يُكره على العقد والقول؛ وإنما يُكره على القول فقط.
فعُلِم أنه أراد من تكلم بكلمة الكفر فعليه غضب من الله وله عذاب عظيم، وأنه كافر بذلك إلا من أكره وهو مطمئن بالإيمان ولكن من شرح بالكفر صدرا من المكرهين فإنه كافر أيضا.
فصار من تكلم بالكفر كافرا إلا من أكره فقال بلسانه كلمة الكفر وقلبه مطمئن بالإيمان، وقال تعالى في حق المستهزئين {لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم} فبَيَّن أنهم كفار بالقول مع أنهم لم يعتقدوا صحته. اهـ [2]
وقال ابن تيمية رحمه الله في تفسير قوله تعالى {ومن يتولهم منكم فإنه منهم} : والمفسرون متفقون على أنها نزلت بسبب قوم ممن كان يظهر الإسلام وفي قلبه
(1) مجموع الفتاوى ج 7/ 220.
(2) الصارم المسلول / 524.