الصفحة 12 من 143

وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (أكمل المؤمنون إيمانا أحسنهم خلقا) [1]

ويدل لفظ أكمل على أن صاحب الخلق الحسن قد بلغ الكمال وحصله كله، وأنه يفضل من كان دون ذلك وإن اشتركا في أصل الإيمان. ...

وهذه الأحاديث وغيرها تدل دلالة واضحة على أن شعب الإيمان تتفاضل في نفسها، وأن بعضها أعلى من بعض، وعلى أن هناك من هو تقي وبار وهناك من هو أتقى وأبر.

وكذلك فإن الناس يتفاوتون من جهة المعاصي أيضا، فليس من كان مرتكبا لكبيرة كمن وقع في الصغائر أو اللمم، وليس الذي فيه خصلة من خصال النفاق أو بعضها كمن ليس فيه شيء من ذلك.

وعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (أربع من كن فيه كان منافقا خالصا، ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر) [2] .

ولذلك قال ابن تيمية رحمه الله حاكيا مذهب السلف وأهل الحديث في تفاضل الإيمان وأهله: وكان أهل السنة والحديث على أن الإيمان يتفاضل، وجمهورهم يقول: يزيد وينقص، ومنهم من يقول: يزيد ولا ينقص كما في إحدى الروايتين عن مالك، ومنهم من يقول يتفاضل كعبد الله بن المبارك، وقد ثبت لفظ الزيادة والنقصان منه عن الصحابة ولم يُعرف فيه مخالف من الصحابة.

فروى الناس من وجوه كثيرة مشهورة عن حماد بن سلمة وعن أبي جعفر عن جده عمير بن حبيب الخطمي، وهو من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: الإيمان يزيد وينقص، قيل له: ما زيادته وما نقصانه؟ قال: إذا ذكرنا الله وحمدناه وسبحناه فتلك زيادته، وإذا غفلنا ونسينا فتلك نقصانه.

وروى إسماعيل بن عياش عن جرير بن عثمان عن الحارث بن محمد عن أبي الدرداء قال: الإيمان يزيد وينقص...إلى أن قال ابن تيمية:

وصح عن عمار بن ياسر أنه قال: ثلاث من كُنَّ فيه فقد استكمل الإيمان: الإنصاف من نفسه،

(1) رواه أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي وابن حبان وابن ماجة والدارمي بسند صحيح، ورواه أيضا الطبراني في الأوسط والبيهقي في الكبرى وابن أبي شيبة والدارمي بسند حسن، ورواه والحاكم وقال: صحيح على شرطهما وتعقبة الذهبي وقال: فيه انقطاع، وقد ورد الحديث هذا الحديث بلفظ آخر (وإن أحسن الناس إسلاما أحسنهم خلقا) رواه أحمد والطبراني وابن أبي الدنيا عن جابر بن سمرة - رضي الله عنه - ، قال الحافظ العراقي: إسناده صحيح، وقال الهيثمي: رجاله ثقات، وقال المنذري بعد عزوه لهم: إسناد أحمد جيد، ورواه الطبراني عن ابن عمرو بن العاص رضي الله عنهما بلفظ (أحسن المؤمنين إيمانا) قال الهيثمي: إسناده حسن.

(2) رواه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وأحمد وأبو داود وابن حبان والبيهقي وابن أبي شيبة وأبو عوانة والبزار والطبراني وغيرهم وهو بألفاظ مختلفة عن أبي بكر الصديق وأبي هريرة وعبد الله بن عمرو وابن عمر وسلمان وأبي سعيد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت