فيما سواه من المنازل) وقال أبو هريرة: لأن أرابط ليلة في سبيل الله أحب إلى من أن أقوم ليلة القدر عند الحجر الأسود...إلى أن قال:
وقد قال الله تعالى لموسى عليه السلام (سأريكم دار الفاسقين) وهى الدار التي كان بها أولئك العمالقة ثم صارت بعد هذا دار المؤمنين وهى الدار التي دل عليها القرآن من الأرض المقدسة، فأحوال البلاد كأحوال العباد فيكون الرجل تارة مسلما وتارة كافرا وتارة مؤمنا وتارة منافقا وتارة برا تقيا وتارة فاسقا وتارة فاجرا شقيا، وهكذا المساكن بحسب سكانها فهجرة الإنسان من مكان الكفر والمعاصي إلى مكان الإيمان والطاعة كتوبته وانتقاله من الكفر المعصية إلى الإيمان والطاعة وهذا أمر باق إلى يوم القيامة. اهـ [1]
وقد اشترط أبو حنيفة رحمه الله شروطا أخرى حتى تصير دار الإسلام دار كفر من ذهاب أمان المسلمين فيها ومتاخمتها لدار كفر أخرى، وهذه الشروط لا ينهض الدليل لاعتبارها، فضلا عن كونها مخالفة لما عليه جمهور أهل العلم، ولذلك فقد خالفه صاحباه أبو يوسف ومحمد رحمهما الله في ذلك كما سيأتي بيانه إن شاء الله.
وهذا التقسيم هو بالنسبة لحكم لدار لا لحكم ساكنيها، إذ قد يكون من سكان دار الإسلام من ليس بمسلم كما كان الحال في المدينة بعد هجرة المسلمين إليها، فقد كان فيها نفر من النصارى وكثير من اليهود، وقد يكون من سكان دار الكفر أو الحرب من هو مسلم مستضعف كما كان الحال في مكة قبل الفتح، فالحديث هنا عن تسمية الدار لا عن البحث في حكم ساكنيها والله تعالى أعلم.
وفي تعريف دار الإسلام ودار الكفر قال الكاساني رحمه الله: لا خلاف بين أصحابنا في أن دار الكفر تصير دار إسلام بظهور أحكام الإسلام فيها، واختلفوا في دار الإسلام أنها بماذا تصير دار الكفر، قال أبو حنيفة: إنها لا تصير دار الكفر إلا بثلاث شرائط، أحدها: ظهور أحكام الكفر فيها، والثاني: أن تكون متاخمة لدار الكفر، والثالث: أن لا يبقى فيها مسلم ولا ذمي آمنا بالأمان الأول وهو أمان المسلمين.
وقال أبو يوسف ومحمد رحمهما الله: إنها تصير دار الكفر بظهور أحكام الكفر فيها، وجه قولهما: أن قولنا دار الإسلام ودار الكفر إضافة دار إلى الإسلام وإلى الكفر، وإنما تضاف الدار إلى الإسلام أو إلى الكفر لظهور الإسلام أو الكفر فيها، كما تسمى الجنة دار السلام والنار دار البوار لوجود السلامة في الجنة والبوار في النار، وظهور الإسلام والكفر بظهور أحكامهما فإذا ظهر أحكام الكفر في دار فقد صارت دار كفر فصحت الإضافة، ولهذا صارت الدار دار الإسلام بظهور أحكام الإسلام فيها، فكذا تصير دار الكفر بظهور أحكام الكفر فيها والله أعلم.
وجه قول أبي حنيفة رحمه الله أن المقصود من إضافة الدار إلى الإسلام والكفر ليس هو عين الإسلام والكفر وإنما
(1) راجع مجموع الفتاوى ج18/282: 284.