الصفحة 26 من 143

المقصود هو الأمن والخوف، ومعناه أن الأمن إن كان للمسلمين فيها على الإطلاق والخوف للكفرة على الإطلاق فهي دار الإسلام، وإن كان الأمن فيها للكفرة على الإطلاق والخوف للمسلمين على الإطلاق فهي دار الكفر، والأحكام مبنية على الأمن والخوف لا على الإسلام والكفر، فكان اعتبار الأمن والخوف أولى...إلى قوله:

وقياس هذا الاختلاف في أرض لأهل الإسلام ظهر عليها المشركون وأظهروا فيها أحكام الكفر أو كان أهلها أهل ذمة فنقضوا الذمة وأظهروا أحكام الشرك هل تصير دار الحرب فهو على ما ذكرنا من الاختلاف، فإذا صارت دار الحرب فحكمها إذا ظهرنا عليها وحكم سائر دور الحرب سواء وقد ذكرناه. اهـ [1]

وقد ذر السرخسي رجمه الله عن الإمامين أبي يوسف ومحمد بن الحسن صاحبا أبي حنيفة: إنه إذا أظهروا الشرك فقد صارت دارهم دار حرب، لأن البقعة إنما تنسب إلينا أو إليهم باعتبار القوة والغلبة [2] .

وما ورد في قول أبي حنيفة رحمه الله من اعتبار الأمن والخوف فقط في الحكم على الدار وعدم اعتبار ظهور الأحكام والشرائع مخالف للهدي النبوي الوارد في صحيح السنة، إذ أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يأمر سراياه التي تخرج للجهاد أن لا يغيروا على قرية أو محل حتى ينتظروا وقت الصلاة، فإن سمعوا أذانا أمسكوا عن الغارة لأن الأذان من شعائر الإسلام الظاهرة التي يحكم بها على الدار، وإن لم يسمعوا أذانا أغاروا [3] ، وهذا ظاهر في اعتبار ظهور الشرائع والأحكام لا بحصول الأمن والخوف، ولذلك قال القرطبي رحمه الله: قال أبو عمر: ولا أعلم اختلافا في وجوب الأذان جملة على أهل المصر لأن الأذان هو العلامة الدالة المفرقة بين دار الإسلام ودار الكفر وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا بعث سرية قال لهم (إذا سمعتم الأذان فأمسكوا وكفوا إن لم تسمعوا الأذان فأغيروا) أو قال (فشنوا الغارة) وفي صحيح مسلم (كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يغير إذا طلع الفجر فإن سمع أذانا أمسك وإلا أغار) الحديث. اهـ [4]

(1) راجع بدائع الصنائع ج7/130ـ131، أحكام القرآن للجصاص ج4/240، المبسوط للسرخسي ج10/19، حاشية ابن عابدين ج4/175

(2) ) ) المبسوط للسرخسي ج10/114

(3) ورد عن أنس - رضي الله عنه - قال: (كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا غزا قوما لم يغزُ حتى يصبح، فإذا سمع أذانا أمسك وإذا لم يسمع أذانا أغار بعد ما يصبح) رواه أحمد والبخارى، وفي رواية أخرى: (كان يغير إذا طلع الفجر وكان يستمع الأذان، فإذا سمع آذانا أمسك وإلا أغار) ، وفي حديث عاصم المُزَني - رضي الله عنه - قال: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: (إذا رأيتم مسجدا أو سمعتم مؤذنا فلا تقتلوا أحدا) رواه الترمذي وابن ماجة وأبوداود وابن حبان، وقال الترمذي: حسن غريب، وهذان الحديثان يدلان على أنه يحكم على بلدة يرفع فيها الأذان أو يوجد فيها مسجد يصلي فيه أهلها بحكم الإسلام، قال الشوكاني رحمه الله: قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: (إذا رأيتم مسجدا) فيه دليل على أن وجود المسجد في البلد كاف في الاستدلال به على إسلام أهله وإن لم يسمع منهم الأذان، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يأمر سراياه بالاكتفاء بأحد الأمرين: إما وجود المسجد وإما سماع الأذان. اهـ راجع نيل الأوطار للشوكاني ج7/ 277 ـ 278، كتاب الجهاد باب الكف عمن عنده شعار الإسلام.

(4) راجع تفسير القرطبي ج6/225ـ226.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت