وورد في التمهيد لابن عبد البر رحمه الله: ومن الفرق بين دار الكفر ودار الإسلام لمن لم يعرفها الأذان الدال على الدار، وكل قرية أو مصر لا يؤذن فيه بالصلاة فأهله لله عز وجل عصاة. اهـ [1]
وورد أيضا في شرح الزرقاني على الموطأ في الحديث عن الأذان: وأما في المصر فواجب كفاية، فلو اتفقوا على تركه أثموا وقوتلوا عليه لأنه شعار الإسلام ومن العلامات المفرقة بين دار الإسلام والكفر، وفي الصحيحين واللفظ لمسلم عن أنس مرفوعا (كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يغير إذا طلع الفجر وكان يستمع الأذان فإن سمع أذانا أمسك وإلا أغار) . اهـ [2]
وقال ابن قدامة رحمه الله: ومتى ارتد أهل بلد وجرت فيه أحكامهم صاروا دار حرب في اغتنام أموالهم وسبي ذراريهم الحادثين بعد الردة وعلى الإمام قتالهم، فإن أبا بكر الصديق قاتل أهل الردة بجماعة الصحابة، ولأن الله تعالى قد أمر بقتال الكفار في مواضع من كتابه، وهؤلاء أحقهم بالقتال لأن تركهم ربما أغرى أمثالهم بالتشبه بهم والارتداد معهم فيكثر الضرر بهم، وإذا قاتلهم قتل في قدر عليه ويتبع مدبرهم ويجاز على جريحهم وتغنم أموالهم وبهذا قال الشافعي، وقال أبو حنيفة: لا تصير دار حرب حتى تجمع فيها ثلاثة أشياء: أن تكون متاخمة لدار الحرب لا شيء بينهما من دار الإسلام، الثاني: أن لا يبقى فيها مسلم ولا ذمي آمن، الثالث: أن تجري فيها أحكامهم، ولنا إنها دار كفار فيها أحكامهم فكانت دار حرب كما لو اجتمع فيها هذه الخصال أو دار الكفرة الأصليين. اهـ [3]
وقد فصل الشيخ سليمان بن سحمان رحمه الله فيما يعتبر به حكم الدار وذلك في رده على حسين بن حسن الذي قسم الديار بحسب ساكنيها فقط وعمم الحكم بذلك ونفى أن يكون الحكم متعلقا بظهور الأحكام من عدمه فقال ابن سحمان رحمه الله: إن لفظ الدار قد يطلق ويراد به الحال ويطلق ويراد به المحل، فإن كان أراد الأول فصحيح ولا كلام، وإن كان أراد الثاني فغير صحيح، فإن هذا التقسيم للساكن لا للدار، وقد أجمع العلماء على أن مكة المشرفة قبل الفتح دار كفر وحرب لا دار إسلام ولو كان فيها القسمان المذكوران، ولم يقسم أحد من العلماء هذا التقسيم للدار في قديم الزمان وحديثه، بل هذا التقسيم للساكن فيها ولا حكم يتعلق بهذين القسمين بل الحكم للأغلب من أهلها إذ هم الغالبون القاهرون من عداهم ومن سواهم مستخف مستضعف مضهود مقهور لا حكم له، وظاهر كلام هذا الجاهل المركب أن مكة شرفها الله وصانها وجعل أهل الإسلام ولاتها وسكانها قبل الفتح ليست دار كفر، لأن الله تعالى قسم أهلها ثلاثة أقسام: محارب وعاص ظالم لنفسه ومستضعف عاجز فلا تكون دار كفر، ولا تعمم الدار بالكفر بل تكون على حكم الساكن على ثلاثة أقسام، وهذا لم يقل به أحد من العلماء في مكة المشرفة قبل الفتح، بل الذي اتفق عليه
(1) راجع التمهيد ج13/280.
(2) شرح الزرقاني على الموطأ ج1/215.
(3) المغني ج9/25ـ 26