الصفحة 28 من 143

العلماء أنها بلاد كفر وحرب ولو كان فيها أناس مسلمون مستخفون أو ظالمون لأنفسهم بالإقامة في دار الكفر غير مظهرين لدينهم كما هو معروف مشهور، وقد تقدم عن شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه أن أحد الأقسام الأربعة التي قد اشتملت عليها الوجود هو القسم الرابع وهم الذين عنى الله بقوله (ولولا رجال مؤمنون ونساء مؤمنات لم تعلموهم أن تطؤوهم) [1] هم من كان كافرا ظاهرا مؤمنا باطنا، فهؤلاء كانوا يكتمون إيمانهم في قومهم ولا يتمكنون من إظهاره، فهم في الظاهر لهم حكم الكفار، وعلى زعم هذا الجاهل أنه إذا كانت مكة المشرفة قد قسمها الله ثلاثة أقسام فلا تكون مع هذا التقسيم بلاد كفر وحرب إذ ذاك، وإلا فما وجه الاستدلال بهذا التقسيم حينئذ، وإذا كان ذلك كذلك فحكم بلد دبي وأبي ظبي حكم مكة ولا شك أن فيها مسلمين ظالمين لأنفسهم ومستضعفين عاجزين، وكل بلد من بلاد الكفر فيها نوع من هؤلاء...إلى أن قال:

وأما تعريف بلاد الكفر فقد ذكر الحنابلة وغيرهم أن البلدة التي تجري عليها أحكام الكفر ولا تظهر فيها أحكام الإسلام بلدة كفر، وأما حكم العاصي الظالم القادر على الهجرة الذي لا يقدر على إظهار دينه فهو على ما ظهر من حاله، فإن كان ظاهره مع أهل بلده فحكمه حكمهم في الظاهر وإن كان مسلما يخفي إسلامه لما روى البخاري في صحيحه من حديث موسى بن عقبة قال ابن شهاب حدثنا أنس بن مالك أن رجالا من الأنصار قالوا: يا رسول الله ائذن لنا فنترك لابن أختنا عباس فداءه فقال - صلى الله عليه وسلم - (لا والله لا تذرون منه درهما) [2] ، وقال يونس بن بكير عن محمد بن إسحاق عن يزيد بن رومان عن عروة عن الزهري عن جماعة سماهم قالوا: بعثت قريش في فدى أسراهم ففدى في كل قوم أسيرهم بما رضوا، وقال العباس: يا رسول الله قد كنت مسلما فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (الله أعلم بإسلامك، فإن يكون كما يقول فإن الله يجزيك به، وأما ظاهرك فقد كان علينا فافتد نفسك وابنى أخيك وأخويك نوفل بن الحارث بن عبد المطلب وعقيل بن أبي طالب بن عبد المطلب وحليفك عتبة بن عمر وأخي بني الحارث بن فهر) قال: ما ذاك عندي يا رسول الله، فقال - صلى الله عليه وسلم - (فأين المال الذين دفنته أنت وأم الفضل فقلت لها إن أصبت في سفري هذا فهذا المال الذي دفنته لبني الفضل وعبد الله وقثم) قال العباس: والله يا رسول الله إني لأعلم أنك رسول الله هذا لشيء ما علمه غيري وغير أم الفضل فأحسب لي يا رسول الله ما أصبتم مني عشرين أوقية من مال كان معي، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (لا ذاك شيء أعطانا الله تعالى منك) ففدى نفسه وابني أخويه وحليفه ... الحديث [3] ، فاستحل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فداءه والمال الذي كان معه لأن ظاهره كان مع الكفار بقعوده عندهم وخروجه معهم، ومن كان مع الكفار فله حكمهم في الظاهر.

ومما يوضح لك أن مكة المشرفة قبل الفتح بلد كفر وحرب ما قاله شيخ الإسلام رحمه الله في الكلام على قوله - صلى الله عليه وسلم - (لا

(1) سورة الفتح، الآية: 25.

(2) ورواه أيضا ابن حبان والحاكم والبيهقي والطبراني في الأوسط عن أنس بن مالك - رضي الله عنه - .

(3) رواه بهذا اللفظ أبو داود وابن إسحاق والبيهقي والحاكم عن ابن عباس رضي الله عنهما.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت