الصفحة 29 من 143

هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية وإذا استنفرتم فانفروا) وقال - صلى الله عليه وسلم - (لا تنقطع الهجرة ما قوتل العدو) وكلاهما حق، فالأول أراد به الهجرة المعهودة في زمانه وهي الهجرة إلى المدينة من مكة وغيرها من أرض العرب، فإن هذه الهجرة كانت مشروعة لما كانت مكة وغيرها دار كفر وحرب وكان الإيمان بالمدينة، فكانت الهجرة من دار الكفر إلى دار الإسلام واجبة لمن قدر عليها، فلما فتحت مكة وصارت دار إسلام ودخلت العرب في الإسلام صارت هذه الأرض كلها دار إسلام فقال (لا هجرة بعد الفتح) .

وكون الأرض دار كفر ودار إيمان ودار فاسقين ليست صفة لازمة لها بل هي صفة عارضة بحسب سكانها، وكل أرض سكانها المؤمنون المتقون هي دار أولياء الله في ذلك الوقت، وكل أرض سكانها الكفار فهي دار كفر في ذلك الوقت، وكل أرض سكانها الفساق فهي دار فسق في ذلك الوقت، فإن سكنها غير من ذكرنا وتبدلت بغيرهم فهي دارهم، وكذلك المسجد إذا تبدل بخمارة أو صار دار فسق أو دار ظلم أو كنيسة يشرك فيها بالله كان بحسب سكانه، وكذلك دار الخمر والفسوق ونحوها إذا جعلت مسجدا يعبد الله فيها عز وجل كان بحسب ذلك، وكذلك الرجل الصالح يصير فاسقا أو الفاسق يصير صالحا أو الكافر يصير مؤمنا أو المؤمن يصير كافرا ونحو ذلك كل بحسب انتقال الأحوال من حال إلى حال...إلى أن قال رحمه الله:

فأحوال البلاد كأحوال العباد، فيكون الرجل تارة مسلما وتارة كافرا وتارة مؤمنا وتارة منافقا وتارة برا تقيا وتارة فاسقا وتارة فاجرا شقيا، وهكذا المساكن بحسب سكانها إلى آخر كلامه، قال ابن سحمان: وهذا مما لا إشكال فيه بحمد الله فهذا كلام أهل العلم وموجب سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في حكم الدار وساكنها. اهـ [1]

هذا وقد زاد ابن تيمية رحمه الله في أنواع الديار قسما ثالثا وسماه دارا مركبة وذلك حينما سئل عن حكم بلدة ماردين والتي كان يعيش فيها المسلمون مختلطين مع غيرهم، ولم أجد لهذا القسم أصل يؤيده في الأدلة ولا في أقوال أهل العلم، بل إن بعض العلماء قد اعتبر أن هذا التقسيم مرجوحا ورده.

فقد سئل ابن تيمية رحمه الله عن بلد ماردين هل هي بلد حرب أم بلد سلم؟ وهل يجب على المسلم المقيم بها الهجرة إلى بلاد الإسلام أم لا؟ وإذا وجبت عليه الهجرة ولم يهاجر وساعد أعداء المسلمين بنفسه أو ماله هل يأثم في ذلك؟ وهل يأثم من رماه بالنفاق وسبه به أم لا؟

فأجاب: الحمد لله، دماء المسلمين وأموالهم محرمة حيث كانوا في ماردين أو غيرها، وإعانة الخارجين عن شريعة دين الإسلام محرمة سواء كانوا أهل ماردين أو غيرهم، والمقيم بها إن كان عاجزا عن إقامة دينه وجبت الهجرة عليه وإلا استحبت ولم تجب، ومساعدتهم لعدو المسلمين بالأنفس والأموال محرمة عليهم، ويجب عليهم الامتناع من ذلك

(1) راجع كشف الأوهام والالتباس عن تشبه بعض الأغبياء من الناس لسليمان بن سحمان بن مصلح بن حمدان بن مسفر الخثعمي/94: 101، بتحقيق عبد العزيز بن عبد الله الزير آل حمد، ط: دار العاصمة، الرياض

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت