الصفحة 64 من 143

يعاديهم فلا يكون آتيًا بالواجب عليه حتى تحصل منه العداوة والبغضاء، ولا بد أيضًا من أن تكون العداوة والبغضاء باديتين ظاهرتين بيّنتين، واعلم أنه وإن كانت البغضاء متعلقة بالقلب، فإنها لا تنفعه حتى تظهر آثارها وتتبين علاماتها، ولا تكون كذلك حتى تقترن بالعداوة والمقاطعة، فحينئذ تكون العداوة والبغضاء ظاهرتين) اهـ.

ويقول الشيخ عبد الرحمن بن حسن بن الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله حول آية الممتحنة السابقة: (فمن تدبر هذه الآيات عرف التوحيد الذي بعث الله به رسله وأنزل به كتبه وعرف حال المخالفين لما عليه الرسل وأتباعهم من الجهلة المغرورين الأخسرين، قال شيخنا الإمام رحمه الله - يعني بذلك جده محمد بن عبد الوهاب - في سياق دعوة النبي صلى الله عليه وسلم قريشًا إلى التوحيد وما جرى منهم عند ذكر آلهتهم بأنهم لا ينفعون ولا يضرون؛ أنهم جعلوا ذلك شتما: فإذا عرفت هذا عرفت أن الإنسان لا يستقيم له إسلام ولو وحد الله وترك الشرك إلا بعداوة المشركين والتصريح لهم بالعداوة والبغضاء كما قال تعالى: {لا تجد قومًا يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حادّ الله ورسوله ... الآية} ، فإذا فهمت هذا فهمًا جيدًا عرفت أن كثيرًا ممن يدعي الدين لا يعرفه، وإلا فما الذي حمل المسلمين على الصبر على ذلك العذاب والأسر والهجرة إلى الحبشة مع أنه أرحم الناس ولو وجد لهم رخصة أرخص لهم، كيف وقد أنزل الله عليه: {ومن الناس من يقول آمنا بالله فإذا أوذي في الله جعل فتنة الناس كعذاب الله} ، فإذا كانت هذه الآية فيمن وافق بلسانه فكيف بغير ذلك، يعني من وافقهم بالقول والفعل بلا أذى فظاهرهم وأعانهم وذب عنهم وعن من وافقهم وأنكر على من خالفهم، كما هو الواقع) [1] اهـ.

وقال تعالى: {لا تتولوا قوما غضب الله عليهم قد يئسوا من الآخرة كما يئس الكفار من أصحاب القبور} ، وذلك؛ أن ناسا من فقراء المسلمين كانوا يخبرون اليهود بأخبار المؤمنين ويواصلونهم فيصيبون بذلك من ثمارهم ودنياهم فنهاهم الله عن موالاتهم ومواصلتهم ونصرهم على أهل دينهم من المسلمين.

وقال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا آباءكم وإخوانكم أولياء إن استحبوا الكفر على الإيمان ومن يتولهم منكم فأولئك هم الظالمون} ، وفي هذه الآية الكريمة نهي من الله تعالى للمؤمنين عن موالاة الكفار ونصرتهم والاستنصار بهم وتفويض أمورهم إليهم، وأوجب التبري منهم وترك تعظيمهم وإكرامهم.

إلا أنه تبارك وتعالى قد أمر مع ذلك بالإحسان إلى الأب الكافر وصحبته بالمعروف بقوله تعالى: ووصينا الإنسان بوالديه إلى قوله وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك

(1) الدررالسنية، جزء الجهاد: 93.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت