الصفحة 65 من 143

به علم فلا تطعهما وصاحبهما في الدنيا معروفا، وإنما أمر المؤمنين بعدم موالاة الكافرين ليتميزوا عن المنافقين، إذ كان المنافقون يتولون الكفار ويظهرون إكرامهم وتعظيمهم إذا لقوهم ويظهرون لهم الولاية، فجعل الله تعالى ما أمر به المؤمن في هذه الآية علما وفرقانا يتميز به المؤمن من المنافق، وأخبر؛ أن من لم يفعل ذلك فهو الظالم لنفسه المستحق للعقوبة من ربه [1] .

وقال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم} ، وهذا نص قرآني محكم؛ بين الله تعالى فيه أن من والى الكفار من اليهود والنصارى وغيرهم ونصرهم على المؤمنين فهو كافر مثلهم ومصيره مصيرهم في الدنيا والآخرة، وفي هذه الآية دلالة؛ على أن الكافر لا يكون وليا للمسلم لا في التصرف ولا في النصرة، وتدل أيضا؛ على وجوب البراءة من الكفار والعداوة لهم، لأن الولاية ضد العداوة، فإذا أمرنا بمعاداة اليهود والنصارى لكفرهم فغيرهم من الكفار بمنزلتهم، وتدل الآية أيضا على أن الكفر كله ملة واحدة، لقوله تعالى: {بعضهم أولياء بعض} [2] .

قال الطبري رحمه الله: (فالصواب؛ أن يُحكم لظاهر التنزيل بالعموم على ما عَمَّ ... ) ، إلى قوله رحمه الله: (غير أنه لا شك أن الآية نزلت في منافق كان يوالي اليهود أو النصارى خوفا على نفسه من دوائر الدهر، لأن الآية التي بعد هذه تدل على ذلك، وذلك قوله تعالى: {فترى الذين في قلوبهم مرض يسارعون فيهم يقولون نخشى أن تصيبنا دائرة} ، والصواب من القول في ذلك عندنا أن يُقال: إن الله تعالى ذكره نهى المؤمنين جميعا أن يتخذوا اليهود والنصارى أنصارا وحلفاء على أهل الإيمان بالله ورسوله، وأخبر أنه من اتخذهم نصيرا وحليفا ووليا من دون الله ورسوله والمؤمنين فإنه منهم في التحزب على الله وعلى رسوله والمؤمنين وأن الله ورسوله منه بريئان ... ) .

إلى أن قال: (يعني تعالى ذكره بقوله: {ومن يتولهم منكم فإنه منهم} ، أي ومن يتول اليهود والنصارى من دون المؤمنين فإنه منهم، يقول فإن من تولاهم ونصرهم على المؤمنين فهو من أهل دينهم وملتهم، فإنه لا يتول متول أحدا إلا وهو به وبدينه وما هو عليه راض، وإذا رضيه ورضي دينه فقد عادى ما خالفه وسخطه وصار حكمه حكمه) [3] اهـ.

قلت: وقد ظن بعض الناس وفهم خطئا من كلام الطبري رحمه الله هذا؛ أنه لابد أن يقوم بالقلب رضى بدين الكفار حتى يدخل في هذا الحكم ويكون كافرا، وأن من نصر الكافر على المسلم وقاتل المسلم معه؛ لا يكفر إلا إذا كان راضيا بقلبه عن دينه، وليس ذلك صوابا، بل الصحيح - والله تعالى أعلم - أن من والى الكفار وظاهَرهُم على المؤمنين دخل

(1) راجع أحكام القرآن للجصاص: 4/ 278.

(2) راجع أحكام القرآن للجصاص: 4/ 99.

(3) تفسير الطبري: 6/ 276 - 277.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت