وَلقد بين النبي صلى الله عليه وسلم أن العابد لا يستطيع أن يلحق بمنزلة المجاهد في سبيل الله تعالى فقَالَ صلى الله عليه وسلم: (مَثَلُ الْمُجَاهِدِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ مَثَلُ الصَّائِمِ الْقَائِمِ الْقَانِتِ الَّذِي لَا يَفْتُرُ مِنْ صَلَاةٍ وَلَا صِيَامٍ) ، وَقَالَ رَجُلٌ للنبي صلى الله عليه وسلم: أَخْبِرْنِي بِعَمَلِ يَعْدِلُ الْجِهَادَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ؟ قَالَ: (لَا تَسْتَطِيعُه) فأعاد عليه فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (هَلْ تَسْتَطِيعُ إذَا خَرَجَ الْمُجَاهِدُ أَنْ تَصُومَ فلَا تُفْطِرُ وَتَقُومَ فلَا تَفْتُرُ؟) قَالَ: ومن يستطيع ذلك، قَالَ صلى الله عليه وسلم: (فَذَلِكَ الَّذِي يَعْدِلُ الْجِهَادَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ) ، ثم أيها العباد ألم يكن النبي صلى الله عليه وسلم أعبد أهل الأرض قاطبة فلم ترك العبادة ونفر في سبيل الله وحرض أصحابه رضي الله عنهم على ترك المساجد والخروج والسياحة في البلاد للجهاد في سبيل الله؟، وأدعوا كل من تخلف عن الجهاد أن يتدبروا ما فعله النبي صلى الله عليه وسلم وأمر به المسلمين مع من تخلف من الصحابة رضي الله عنهم عن غزوة واحدة وذلك حينما أمر النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه رضي الله عنهم جميعا بهجر المتخلفين عن هذه الغزوة بل وأمر زوجاتهم بمفارقتهم مع أنهم ولا شك كانوا من أكثر الناس عبادة وتهجدا، ولكنهم حينما تخلفوا عن عزوة طلب واحدة هجرهم كل من كان بالمدينة بأمر نبوي، فأوجب التخلف عن غزوة واحدة ـ وقد كانت غزوة طلب لا دفع ـ هجر من تخلف ولو كان من أعبد الناس، فما بال من تخلف عن نصرة الدين في غزوات كثيرة وقعد عن نصرة المسلمين وهو يرى أطنان المتفجرات تلقى عليهم فتمزق أحشاءهم وتقطع أوصالهم، وقعد وهو يرى بلاد المسلمين تهوي تحت مطارق النصارى واليهود والصليب يعلو فوق ربوعها، هذا فضلا عن احتلال اليهود الحاقدين لمسرى رسول الله وحلول النصارى ببلاد الحرمين يعيثون فيها فسادا فضلا عن سائر بلاد المسلمين التي تغلب عليها عملاء كافرون.
وليعلم كل العباد أن الجهاد اليوم ليس من نوافل الأعمال ولا من فضائل التطوعات بل هو فريضة شرعية محكمة تضافر في الدلالة على وجوبها الكتاب والسنة وإجماع الأمة، كما أنه حق لبلاد المسلمين في ضمير كل فرد من أبنائها غيور على دينها وكرامتها واستقلالها.
وللأوطان في دم كل حر يد سلفت ودين مستحق
ولقد اتفق الْعُلَمَاء عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ فِي التَّطَوُّعَاتِ أَفْضَلُ مِنْ الْجِهَادِ، فَهُوَ أَفْضَلُ مِنْ الْحَجِّ والعمرة وَأَفْضَلُ مِنْ التطوع بالصَّوْمِ والصَّلَاةِ، وَالْمُرَابَطَةُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَفْضَلُ مِنْ الْمُجَاوَرَةِ بِمَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ وَبَيْتِ الْمَقْدِسِ للعبادة والطواف حَتَّى قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: لَأَنْ أُرَابِطُ لَيْلَةً فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ أَنْ أُوَافِقَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ عِنْدَ الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ، فانظروا كيف اختار هذا الصحابي الفقيه الرِّبَاطَ لَيْلَةً عَلَى الْعِبَادَةِ فِي أَفْضَلِ اللَّيَالِي عِنْدَ أَفْضَلِ الْبِقَاعِ، ولقد قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم (رِبَاطُ يَوْمٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ يَوْمٍ فِيمَا سِوَاهُ مِنْ الْمَنَازِلِ) وقال النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم (رِبَاطُ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ خَيْرٌ مِنْ صِيَامِ شَهْرٍ وَقِيَامِهِ وَمَنْ مَاتَ مُرَابِطًا أُجْرِيَ عَلَيْهِ عَمَلُهُ وَأُجْرِيَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ مِنْ الْجَنَّةِ وَأَمِنَ الْفَتَّانَ) فَهَذَا فِي الرِّبَاطِ فَكَيْفَ الْجِهَادُ.
وأسوق إلى كل من يتذرع بالعبادة عن الجهاد رسالة العالم العابد المجاهد عبد الله بن المبارك رحمه الله إلى أعبد أهل زمانه