الفضيل بن عياض حينما راسله قائلا:
يا عابد الحرمين لو أبصرتنا ... لعلمت أنك في العبادة تلعب
من كان يخضب خده بدموعه ... فنحورنا بدمائنا تتخضب
أو كان يتعب خيله في باطلٍ ... فخيولنا يوم الصبيحة تتعبُ
ريح العبير لكم ونحن عبيرنا ... وهج السنابك والغبار الأطيب
ولقد أتانا من مقال نبينا قول صحيح صادق لا يكذب
لا يستوي غبار أهل الله في ... أنف امرئ ودخان نار تلهب
هذا كتاب الله ينطق بيننا ليس الشهيد بميت لا يكذبُ
وأما نصيحتي إلى العلماء الكرام فأقول لهم: علماءنا الكرام إن العلماء هم ورثة الأنبياء في العلم والعمل والبذل والعطاء والجهاد والتضحية والفداء، وهم محط ثقة الناس إذا ما داهمتهم الخطوب الجسام، وهم الذين يُصلحون إذا فسد الناس، هم القادة الأعلام والمنارات الشامخة الذين يقودون العباد والبلاد إلى بر السلامة والنجاة قال تعالى (وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ) والعلماء هم الذين ينبغي أن يكونوا في طليعة الأمة نحو كل خير، ولهذا أمر الله تعالى بطاعتهم وخصهم بالذكر من دون الناس في قوله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ) ، هذا هو دور العلماء وهكذا كانوا وهكذا يجب أن يكونوا، ولكن عندما يرضى العالِم لنفسه خلاف ذلك فيرضى أن يكون بوقًا للطواغيت والظالمين يبرر ظلمهم وكفرهم ويزينه في أعين الناس ويصبغ عليهم وعلى نظامهم الشرعية بعبارات الإطراء والولاء والفداء ويمنع من جهادهم والإنكار عليهم فإنه يفقد وفي نفس اللحظة دوره الريادي القيادي المناط به ويفقد بذلك أيضا أي شرعية في قيادة البلاد والعباد ليصبح والعياذ بالله كمثل من قال تعالى فيهم (فمثله كمثل مثل الكلب إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ) نعيذكم بالله من هذه المنزلة الخسيسة.
علماءنا الأعزة الكرام: عندما يسخِّر العالِم علمه وما يحفظ من نصوص شرعية لإحقاق باطل أو إبطال حق قربة للطواغيت الظالمين وطمعًا فيما يلقونه إليه من الفتات، وعندما يرضى العالِم لنفسه أن يكون الأداة التي يؤدب بها الطاغوت مخالفيه ومن يعترض عليه بالفتاوى والبيانات التي يأمرهم الطاغوت بإخراجها، وعندما يتحول العالم إلى عقبة كأداء تمنع الشعوب من التغيير وتحيل بينهم وبين أن يستأنفوا حياة إسلامية راشدة على منهاج النبوة فإنه حينئذٍ يفقد دوره الريادي المناط به، وعندما تقتصر همة العالم ووظيفته على الوعظ والإفتاء بعيدًا عن واقع الأمة وآلامها ومشاكلها ولا