فهرس الكتاب

الصفحة 339 من 6827

لقد قدّمت الثورة الفرنسية التي نشبت في العام 1789 م والتي هي ثمرة المذهب الفردي إنموذجًا للمجتمع السياسي قائمًا على تمجيد الفرد وتكريس الحرية والمساواة وبالتالي على سلطة الأمة؛ وكانت بذلك انتقاضًا على حق الملوك المقدس، الذي أحلّت محله حق الفرد، وعلى سلطانهم المطلق الذي أحلّت محله سلطان الأمة. وسوف نرى أن قيمتها العميقة ليست في مجرد تكريس الحرية والمساواة بل في إعطاء الحرية والمساواة مضمونًا مبتكرًا أصبحت معه الدولة صورة الإنسان الحر الذي يتمتع بكينونة مطلقة تخوِّله أن يفعل ما يشاء بالطريقة التي يشاء. ولاشك في أنها قد أقامت إنموذجًا للدولة لا عهد للإنسانية به من قبل؛ بل إنها قد افتتحت عالمًا جديدًا من الفكر والأخلاق والقانون والتنظيم السياسي والدولي. وإذا كانت جذورها أوروبية فإنها، من حيث أنها تؤصِّل نظام المجتمع السياسي ونظام حقوق الإنسان في الطبيعة الإنسانية الواحدة التي لا تختلف بين شعب وشعب ولا بين عصر وعصر، قد كانت إيذانًا بتغيرات عميقة، فكرية وأخلاقية وقانونية وسياسية، على صعيد العالم كله. وقد سرت آثارها في أوروبا ثم امتدت إلى سائر المجتمعات التي غزتها أوروبة ووقعت تحت هيمنتها السياسية والثقافية. وهكذا ظهرت نتائج الثورة الفرنسية على صعيد المجتمعات الوطنية وأنظمتها القانونية وعلى صعيد المجتمع الدولي ونظامه القانوني، وأصبح نظام حقوق الإنسان متأثرًا على الصعيدين بهذه النتائج. ونستطيع أن نقول إن تاريخ حقوق الإنسان قد دخل منذ العام 1789 م عصر ما بعد الثورة الفرنسية التي أرادت أن تكون بداية جديدة للتاريخ الإنساني فألغت التقويم الميلادي وجعلت العام 1792 م هو السنة الأولى من التقويم الجمهوري أو الثوري.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت