واعلم أن الاعتدال تارة يحصل بكمال الفطرة منحة من الخالق، فكم من صبي يخلق صادقًا سخيًا حليمًا، وتارةً يحصل بالاكتساب، وذلك بالرياضة، وهي حمل النفس على الأعمال الجالبة للخلق المطلوب. فمن أراد تحصيل خلق الجود فليتكلف فعل الجواد من البذل ليصير ذلك طبعًا له، وكذلك من أراد التواضع تكلف أفعال المتواضعين، وكذلك جميع الأخلاق المحمودة، فإن للعادة أثرًا في ذلك" (1) ."
فإذا كان الإنسان المؤمن مجبولًا على حسن الخلق فذاك فضل من الله تعالى، فما عليه إلا أن يستغل ما وهبه الله تعالى من حسن الخلق بإصلاح الناس والنهي عن الفساد، وإن لم يكن كذلك فعليه أن يكتسب حسن الخلق بأحواله، فإن حسن الخلق من الأمور التي دعا إليها الإسلام، ومن صفات عباد الله المؤمنين.
ولقد أثنى الله سبحانه وتعالى على نبيه محمد (لما جبله عليه من الأخلاق العظيمة (وإنك لعلى خلق عظيم (] القلم 4 [.
قال ابن كثير رحمه الله تعالى: ومعنى هذا أنه عليه الصلاة والسلام صار امتثال القرآن أمرًا ونهيًا سجية وخلقًا تطبعه، وترك طبعه الجبلي فمهما أمره القرآن فعله، ومهما نهاه عنه تركه، مع ما جبله الله عليه من الخلق العظيم والكرم والشجاعة والصفح والحلم وكل خلق جميل (2) .
فالله سبحانه وتعالى أثنى على رسوله (بهذه الآية الكريمة وبين أنه على خلق عظيم في عبادته وتعامله وامتثال أمر ربه. ويفهم من هذه الآية أن الله سبحانه وتعالى يحب صاحب الخلق، بدليل ثنائه على رسوله (لاتصافه بالخلق العظيم وإذا كان الأمر كذلك فينبغي أن يتسابق المسلمون للاتصاف بهذه الصفة المحبوبة إلى الله تعالى.
وعن أنس بن مالك (قال: كان رسول الله (أحسن الناس خلقًا(3) الحديث.
(1) مختصر منهاج القاصدين لابن قدامة ص (191192) باختصار.
(2) تفسير ابن كثير (4/402) .
(3) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الأدب (4/128) .