نصّ شيخ الإسلام ابن تيمية (ت 728هـ) على أنها اشتملت على (( تقرير أصول العلم وقواعد الدين ) ) (1) ، وبهذا تظهر المناسبة جلية بين السورة والآيتين التي ورد فيهما ذكر داود وسليمان وهما قوله تعالى: {وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ} (2) ، وقوله تعالى: {وَقَتَلَ دَاوُدُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ} (3) ففي الآية الأولى تبرئة من الله تعالى لسليمان من السحر، فإن اليهود كانوا يقولون - افتراءً - (( هذا علم سليمان، وما تم لسليمان ملكه إلا بهذا العلم ) ) (4) ، فمعنى الآية: واتبع اليهود ما كانت تتلوه الشياطين من كتب السحر والشعوذة على عهد ملك سليمان، وقوله جلّ وعلا: {وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ} (5) لأن اليهود نسبته إلى السحر، (( ولكن لما كان السحر كفرًا صار بمنزلة من نسبه إلى الكفر ) ) (6) .
وفي الآية الأخرى يمتن الله على داود بما آتاه وعلّمه، وقد استنبط الفخر الرازي (ت604 هـ) من هذه الآية أصلًا من أصول التعلم فقال: (( فإن: قيل إنه تعالى لما ذكر إنه آتاه الحكمة وكان المراد بالحكمة النبوة، فقد دخل العلم في ذلك، فلِم ذكره بعد {وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ} ؟.
قلنا: المقصود منه التنبيه على أن العبد قط لا ينتهي إلى حالة يستغني عن
(1) دقائق التفسير 1/195.
(2) البقرة، الآية 102.
(3) البقرة، الآية 251.
(4) الزمخشري: الكشاف 1/301.
(5) انظر المصدر السابق، ابن عطية: المحرر 1/415، ابن العربي: أحكام القرآن 1/28.
(6) القرطبي: الجامع لأحكام القرآن 2/43.