والله تعالى أسأل أن يلهمنا الصواب والسداد، وأن يوفقنا إلى الخير والرشاد.
30 رمضان 1421هـ الموافق 26 ديسمبر 2000م.
المبحث الأول: أوجه الجمع بين الأحاديث المتعارضة
وتحته تسعة مطالب
إذا كان النسخ بين الأخبار محتملًا فإن مالكًا يقوم بالجمع بينها جميعا) (1) (، وسأتناول -إن شاء الله تعالى- منهاجه في الجمع من خلال أنواعه التي تنتظم تحت المطالب الآتية:
المطلب الأول: الجمع ببيان اتحاد مدلولي اللفظين
إذا أفاد مدلول كل من الخبرين حكمًا يخالف الآخر، فالأولى بدلًا من توهيم أحدهما وإطراحه وإعمال ما يعارضه، القيام بمحاولة تأويل ما يحتمل التأويل، كي يتفق كلاهما في المعنى المراد، ولكن بشرط ألاَّ يخرج به عن روح الشريعة، ولا يخالف إجماع الأمة، ومن أمثلة ذلك: ما جاء عن عائشة رضي الله عنها زوج النبي (أنها قالت:(ما طال عَلَيَّ وما نسيت القطع في ربع دينار فصاعدا ) ) (2) (.
فهذا الحديث يفيد أن يد السارق لا تقطع حتى تبلغ سرقته ربع دينار فأزيد.
فيقابله: ما رواه أبو هريرة (عن النبي(أنه قال: {لعن الله السارق يسرق البيضة فتقطع يده، ويسرق الحبل فتقطع يده} ) (3) (.
فهذا الحديث يدل على أن يد السارق تقطع في القليل والكثير، وذلك يوافق عموم قوله تعالى: (والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما(4) (.
(1) انظر: البصري: المعتمد 176، 177، وابن الحاجب: المختصر 2/309، 310، والقرافي: شرح تنقيح الفصول 421، والشاطبي: الموافقات 4/88، والزركشي: البحر المحيط 6/135، والعبادي: الآيات البينات 4/290- 296، والشنقيطي: نشر البنود 2/273
(2) أخرجه: مالك في الموطأ (1517) ، والمدونة 6/2853، واللفظ له، والبخاري (6789) ، ومسلم (1/ 1684) .
(3) متفق عليه: البخاري (6799) ، ومسلم (7/ 1687) ، وكلاهما بلفظه.
(4) من الآية 38 من سورة المائدة.