إذا نزل الحي حل الجحيش ... شقيا غويا مبينا غيورا [1]
يقول لعبديه حثا النجا ... وغضا من الطرف عنا وسيرا
تأمل هذه البراعة في التصوير ثم قل بالله هل ينصف من يزعم أن الجاهليين لا يستطيعون إلا وصف الماديات .. انظر إلى دقة الأعشى حيث يجعل الزوج يغار من عبديه فيمن يغار منهم، فيقول لها أسرعا بنا وغضا طرفكما عنا في المسير. ثم قال الأعشى في صفة الفتاة:
فبان بحسناء براقة ... على أن في الطرف منها فتورا
مبتلة الخلق مثل المهاة ... لم تر شمسًا ولا زمهريرا
وتبرد برد رداء العرو ... س بالضيف رقرقت فيه العبيرا [2]
وتسخن ليلة لا يستطيع ... نباحًا بها الكلب إلا هريرًا [3]
ترى الخز تلبسه ظاهرًا ... وتبطن من دون ذاك الحريرا
وربما يكون عنى بالحرير جسمها.
ثم أخذ الأعشى في وصف الصحراء. وهو باب لا يتكلف له ولا يتعمل، وإنما يكتفي بسرد الصفات، وإتقان النغم:
وبيداء يلعب فيها السرا ... بلا يهتدي القوم فيها مسيرا
(1) الجحيش: أراد جحيشًا أي منفردًا، واستعمل اللام للمبالغة. وتعرب الجحيش هنا نائبًا عن المفعول المطلق لا حالًا، أي إذا نزل الحي، نزل هو نزو الجحيش، أو نزولًا جحيشًا، وهذا يشبه في التركيب: «فأرسلها العراك»
(2) أي الطيب: ورداء العروس رقيق إن نثرت عليه قطرات الطيب في الصيف برد لما يحدثه تبخرها من البرد.
(3) يعني في ليلة الشتاء الشديد. والكلب لا يستطيع نباحًا لأنه يدخل في البيوت مع الناس ليستدفئ، وقد وضح هذا المعنى الفرزدق في جمهريته:
وقاتل كلب الحي عن نار أهله ... ليربض فيها والصلا متكنف