تبارى عتاقًا ناجيات وأتبعت ... وظيفًا وظيفًا فوق مور معبد1
فهي في الشرع، أخص من ذلك، لأنها اسم للطاعة والانقياد للأوامر الشرعية الدينية، التي دعت إليها الرسل، ودلت عليها الكتب السماوية. كما فسر ابن عباس رضي الله عنه- قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ} 2بتوحيده وإخلاص العبادة له3نظرًا منه إلى الحقيقة الشرعية، لا إلى أصل الأوضاع اللغوية.
وقد اعترض ابن جرير هنا بأصل الوضع واللغة4. والحق ما قاله ابن عباس، خلافًا لابن جرير، بدليل قوله تعالى: {وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ} 5وتعليلهم ما قالوه بأن العبد لا يخرج عن فعل المولى مغلوبًا، والله تعالى هو الغالب وحده، أو نحو هذا التعليل. فهذا قد احتجوا به على القدرية النفاة، وهو احتجاج صحيح على من نفى القدر، وزعم أن العبد يخلق أفعال نفسه؛ لأن الله تعالى لا يعصى عنوة، بل علمه وقدرته وعزته وحكمته وربوبيته العامة، وكلماته التامة التي لا يجاوزهن بر ولا فاجر6، مانعة ومبطلة لقول القدرية النفاة. فإن الصحابة قاطبة وسائر أهل السنة والجماعة، متفقون على أنه ما شاء الله كان، وما لم يكن،
1 تقدم تخريجه في ص311.
2 سورة البقرة الآية (21) .
3 ذكره الطبري في تفسيره 1/160.
4 المرجع السابق نفس الصفحة.
5 سورة الكافرون الآية (3) .
6 هذه إشارة إلى حديث يحيى بن سعيد، أنه قال: اسري برسول الله صلى الله عليه وسلم فرأى عفريتًا من الجن يطلبه بشعلة من نار، كلما التفت رسول الله صلى الله عليه وسلم رآه، فقال له جبريل: أفلا أعلمك كلمات تقولهن، إذ قتلهن طفئت شعلته وخر لفيه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: بلى، فقال جبريل: فقل: أعوذ بوجه الله الكريم، وبكلمات الله التامات، التي لا يجاوزهن بر ولا فاجر، من شر ما ينزل من السماء ومن شر ما يعرج فيها ... ) الحديث. أخرجه الإمام مالك في الموطأ 2/950- 951، باب ما يؤمر به من التعوذ.