فحجب كثيرا منهم عن قبول هذه الدعوة، ما اعتادوه، وما نشئوا عليه من الشرك والبدع، فنصبوا العداوة لمن دعاهم إلى توحيد ربهم وطاعته، وهو شيخنا -رحمه الله- ومن استجاب له، وقبل دعوته، وأصغى إلى حجج الله وبيناته، كحال من خلا من أعداء الرسل، كما قال تعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا} 1، وقال تعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا} 2.
وأدلة ما دعا إليه هذا الشيخ -رحمه الله- من التوحيد في الكتاب والسنة، أظهر شيء وأبينه. اقرأ كتاب الله من أوله إلى آخره تجد بيان التوحيد والأمر به، وبيان الشرك والنهي عنه، مقررا في كل سورة. وفي كثير من سور القرآن يقرره في مواضع منها، يعلم ذلك من له بصيرة وتدبر.
ففي فاتحة الكتاب: {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} 3، فيها نوعا التوحيد، توحيد الألوهية، وتوحيد الربوبية4. وفي {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} 5 النوعان6. وقصر العبادة والاستعانة على الله عز وجل، أي: لا نعبد غيرك ولا
1 سورة الأنعام الآية"112".
2 سورة الفرقان الآية"31".
3 سورة الفاتحة الآية"2".
4 وتفصيل ذلك: أن قوله: {الْحَمْدُ لِلَّهِ} يشمل توحيد الألوهية، إذ الحمد هو الثناء سبحانه وتعالى عبادة خالصة. فهو سبحانه المستحق لجميع المحامد.
وقوله تعالى: {رَبِّ الْعَالَمِينَ} يشمل توحيد الربوبية، فهو سبحانه وتعالى رب جميع المخلوقات، خالقهم ورازقهم والمتصرف في جميع أحوالهم كيف يشاء.
انظر: الجامع لأحكام القرآن للقرطبي 1/93. ومدارج السالكين 1/7، 8.
5 سورة الفاتحة الآية"5".
6 فيدل على النوع الأول"الألوهية"قوله تعالى: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ} فهو يقتضي إخلاص العبادة له سبحانه قولا وعملا، عطاء ومنعا، حبا وبغضا، كل ذلك لله تعالى.
كما يدل قوله: {وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} على الربوبية. إذ هو طلب العون من الرب سبحانه وتعالى على عبادته. مدارج السالكين 1/7، 76.