عصرًا بعد عصرٍ ومعركة إثر معركة -جاء القرآن بردوده الصارمة وتفنيداته الحاسمة ليقطع دابرها ويستأصل شأفتها ويشنّ عليها وعلى مروِّجيها ومزخرفيها والمتعلِّقين بها حربَ فضحٍ لا هوادةَ فيها؛ حتى لا تبقى حجة لمحتجٍ ولا أمنية لقاعدٍ ولا مستَندٌ لخالف، فإن ما تكرهه النفس ويشق عليها فعله ويناقِض رغباتها ستجتهد في دفعه بكل وسيلة، وستنقب عن دقائق المعاذير لِتجنّبِه، وتسلك ضروب الحِيل للحيلولة دون تحمُّله، وما الجهاد إلا محلّ الابتلاء والصبر، وموطن التمحيص والتمييز كما قال عز وجل: {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ} [محمد/31] ، قال الإمام ابن جريرٍ في هذه الآية: [يقول تعالى ذكره لأهل الإيمان به من أصحاب رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم"وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ"أيها المؤمنون بالقتل، وجهاد أعداء الله"حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ"يقول: حتى يعلم حزبي وأوليائي أهل الجهاد في الله منكم، وأهل الصبر على قتال أعدائه، فيظهر ذلك لهم، ويعرف ذوو البصائر منكم في دينه من ذوي الشكّ والحيرة فيه وأهل الإيمان من أهل النفاق ونبلو أخباركم، فنعرف الصادق منكم من الكاذب] اهـ وقال تعالى: {أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ} [آل عمران/142] ونحوها من الآيات نسأل الله الستر والعافية، والموفَّق من وفّقه الله: {وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ} [هود/88]