الصفحة 15 من 53

هذا وليس عصرُنا بمعزلٍ عن معركة الشبهات التي خاضها القرآن ضِّدَّ المنافقين وضعاف الإيمان فكشف زيفها، وفضح أهلها، وأبطل دعواها، وكَبت طغواها، وفنّد حججها، وقطَّع لَجَجها، بل أصبحت اليوم متجددة متولّدةً في صورٍ شتى، ويُسَوَّق لها بوسائل متعددة، وتُنفَّق سلعتها بطرائقَ متنوعة، وتُبثُّ في الناس وتنشر ويبدى فيها ويعاد حتى تثبَّت في النفوس وترسَّخ في القلوب فتصبح من المسلَّمات التي هي عين العقل والحِكمة والرأي-الذي هو قبل شجاعة الشجعان- وتحاط بزخارف الأقاويل، وتُدثَّرُ بالتفخيم والتهاويل، مع أن القرآن قد دحضَ نظائرها مما تعلق به المتعلقون، وللمعاصرين أمثالها.

فالشبهة هي الشبهة روّج لها مَن روَّج ونشرها من نشر، والتثبيط هو التثبيط مارسه مَن مارسه وأداه من أدى، حتى وإن خلصت نيته وصدقت طويته؛ لأن ضرر رواجها عائدٌ على الإسلامِ وأهله ولا بد، فرب مفسدٍ بأفعاله وهو مريدٌ للإصلاح بقلبه.

ولقد كانت آيات القرآن تأتي بتفنيد الشبه وقطع حجج المعتذرين ثم تخلُص إلى أعماق قلوبهم لتظهر الدوافع الحقيقية وراء ما يبثونه وتجلِّيها غاية التجلية حتى ينظر المؤمنون في كل زمان إلى أمثال تلك الأعذار والتعللات بعين الريبة وعدم المبادرة في الاستقبال والقبول، ولا يفتنهم زخرفها أو يسبيهم بهرجها فتقع الكارثة على الدين وأهله، سواء كانت تلك الدوافع القلبية الخفية نفاقًا أو مرضَ قلبٍ، أو ضعف إيمانٍ، أو جبنًا، أو تعلّقًا بالدنيا، أو خوفًا من الموت وحرصًا على الحياة، أو مراعاةً لمنصبٍ وجاهٍ أو غير ذلك مما يستكنُّ في القلوب ولا يعلمه إلا العليم الخبير: {أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ وَأَنَّ اللَّهَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ} [التوبة/78] .

فمثلًا تأمل قوله تعالى: {وَيَسْتَاذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا} [الأحزاب/13] كيف ذكروا حجتهم (المقبولة) لينسلوا بها من ساحة المعركة فإذا بالقرآن يفضحهم ويظهر ما وراء زخرف القول من الداء الدفين وهو إرادة الفرار، ليس هذا فحسب بل بين حقيقة حالهم وتذبذب إيمانهم وأنهم: {وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ أَقْطَارِهَا ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ لَآَتَوْهَا وَمَا تَلَبَّثُوا بِهَا إِلَّا يَسِيرًا} [الأحزاب/14] ونحو ذلك من الآيات التي تذكر ما يحتج به المحتجون -وغالبًا ما تكون بظاهرها مستحسنةً- ثم يكشف الله عن حقيقة ما يحرّكهم ويدفعهم للتسلل والتخلي عن عبادة الجهاد، كما قال عز وجل: يُخْفُونَ فِي

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت