الصفحة 4 من 53

إمّا جهادٌ وإمّا ذلٌ فاختر!

ومن هنا نعلم سرَّ قول نبينا صلى الله عليه وسلم: [إذا تبايعتم بالعينة وأخذتم أذناب البقر ورضيتم بالزرع وتركتم الجهاد سلط الله عليكم ذلا لا ينزعه حتى ترجعوا إلى دينكم] رواه أبو داود، وقد يُفهم من هذا الحديث أن الجهادَ يجب أن يكون المقدَّم دائمًا، وليس لأحدٍ أن يتعالَّ في تركه بالاشتغال بأمرٍ من أمور الدنيا، فإن أمكن القيام بعبادة الجهاد مع الاشتغال بالزرع وممارسة البيع فذاكَ، وإلا فإن الاشتغال بعبادة الجهاد التي بها بقاء الحياة والحفاظ على الدين وحياطة حوزته هو المقدّم، قال الإمام ابن رجب الحنبلي -رحمه الله-: [ولهذا كره الصحابة رضي الله عنهم الدخول في أرض الخراج للزراعة فإنها تشغل عن الجهاد.] (الحكم الجديرة بالإذاعة:14) .

وقال الإمام ابن النحاس الشهيد -رحمه الله- عن الحديث السابق:[ومعنى الحديث: أن الناس إذا تركوا الجهاد وأقبلوا على الزرع ونحوه تسلط عليهم العدو لعدم تأهبهم له واستعدادهم لنزوله ورضاهم بما هم فيه من الأسباب فأولاهم ذلا وهوانا لا يتخلصون منه حتى يرجعوا إلى ما هو واجب عليهم من جهاد الكفار والإغلاظ عليهم وإقامة الدين ونصرة الإسلام وأهله وإعلاء كلمة الله وإذلال الكفر وأهله.

ودل قوله صلى الله عليه وسلم"حتى ترجعوا إلى دينكم"على أن ترك الجهاد والإعراض عنه والسكون إلى الدنيا خروج عن الدين ومفارقة له وكفى به ذنبًا وإثمًا مبينًا] (مشارع الأشواق: 106)

وليس المقصود من الخروج عن الدين - والله أعلم - هو الكفر المخرج من الملة كما قد يفهمه البعض فلا أحسب أن أحدًا من أهل العلم يقول بأن المسلم التارك للجهاد عمدًا والراكن إلى الدينا يكون كافرًا بذلك، ولكن -والله أعلم- أن المعنى الإجمالي المراد هو بيان أن التخلي عن عبادة الجهاد والاشتغال بأمور الدنيا عنه يؤدي إلى تسلط العدو الكافر وتغلبهم على ديار المسلمين وإجراء أحكامهم عليهم مع محاربتهم للدين وشرائعه لما يضمرونه من الحسد والبغضاء والعداوة للحق وأهله وهذا يقود إلى شيوع الفساد وانتشار الكفر وضعف الدين وانحساره بين الناس وفي قلوبهم ومع توالي الأجيال التي لا تعرف حقًا ولا دينًا ينشأ نشءٌ على الضلال والكفر والعياذ بالله، وخير شاهدٍ على ذلك ما حصل في الأندلس التي صارت اليوم نسيًا منسيًا، وهذا يعني أن دفع الكفرة وحفظ ديار المسلمين ودينهم لا يتم إلا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت